مقال

رجل الأعمال فضل محمد خير يكتب: لغز الثروة المعطلة

لماذا الذهب أغلى من الحديد سؤال بسيط لكن إجابته تكمن في جوهر علم الاقتصاد( الندرة )الذهب نادر والحديد وافر هذه القاعدة البديهية تحكم أسواق العالم لكنها تتخذ في السودان بعدا مفارقا ومؤلما فبلادنا التي ترقد فوق كنوز لا تقدر بثمن من الذهب والحديد وغيرهما تعاني من ندرة حادة جدا من القدره في تنفيذ الأفكار وبيروقراطية تكبل كل محاولة للنهوض هذه المقالة هي مبادرة لفتح حوار جماعي حول كيفية استغلال هذه الوفرة المعطلة وتحويلها إلى رفاهية حقيقية واستقرار اقتصادي عبر مسار جديد يكسر قيود الماضي

* السودان ليس فقيرا بالموارد بل هو بلد غني بها بشكل مذهل تحت أراضيه الشاسعة التي تقدر بحوالي مائتي مليون فدان صالحة للزراعة تكمن إمكانات هائلة وقد أشارت تقديرات جيولوجية حديثة إلى وجود احتياطيات وموارد محتملة من الذهب تتجاوز الألف وخمسمائة طن وعشرات المليارات من الأطنان من خام الحديد أضف إلى ذلك ثروة حيوانية ضخمة واحتياطيات نفطية وغاز طبيعي هذه ليست مجرد أرقام إنها أصول عملاقة لكن الاقتصاد القائم لا يستغل منها سوى الربع تقريبا بينما تظل ثلاثة أرباع هذه الثروات معطلة تساهم في استمرار ندرة العملات الصعبة وتدهور مستوى المعيشة

* وليتذكر الجميع أنه قبل حوالي سبعين عاما عندما كان الاقتصاد السوداني يدار ببساطة وبدون تعقيدات بيروقراطية كانت العملة مستقرة وكان سعر الصرف يساوي خمسة وثلاثين قرشا لكل دولار بل إن الصومال التي كانت لا توجد بها حكومة مركزية ولا بنك مركزي ظلت عملتها مستقرة لسنوات طويلة وهذا دليل قاطع على أن التعقيدات البيروقراطية ليست ضرورة لاستقرار الاقتصاد بل قد تكون هي العائق الأكبر أمامه

* لقد أثبتت التجربة أن الاقتصاد القائم الآن الذي نسميه التقليدي بغرض التعريف مكبل بقيود بيروقراطية ثقيلة تراكمت عبر عقود وتغيير هذه القيود دفعة واحدة أمر بالغ الصعوبة بل مستحيل فهي متجذرة في أنظمة وقوانين ومؤسسات معقدة لكن هذا لا يعني أن نقف مكتوفي الأيدي ننتظر إصلاحا قد يستغرق سنوات طويلة الحل ليس في هدم القائم أو الصدام معه بل في بناء مسار جديد بجانبه دعه يعمل كما هو مؤقتا بما يستغله من ربع الموارد وليكن تركيزنا على الأرباع الثلاثة المتبقية من الموارد التي لا يمسها أحد

* يقول الله تعالى إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم والتغيير المطلوب هنا ليس تدمير ما هو قائم بل إنشاء اقتصاد جديد مواز لا يتعارض مع الاقتصاد التقليدي ولا ينافسه على موارده الحالية وإنما يفتح أبوابا جديدة كليا لاستغلال الموارد الهائلة المعطلة هذا الاقتصاد الموازي يحتاج إلى رؤوس أموال ضخمة من مستثمرين (دول وشركات كبرى ) ويستحيل استقطاب هؤلاء في ظل القوانين الحالية الحل يكمن في إنشاء مناطق اقتصادية حرة متكاملة تتمتع بتشريعات وقوانين تشابه المعمول به في المناطق الاقتصادية الحرة عالميا وتضمن استقلالية تامة في إدارتها ونظامها المالي

* هذه المناطق الحرة ستكون بمثابة قاطرة للنمو السريع الخالي من التعقيدات البيروقراطية ولنكن واقعيين اقتصاد بلادنا عاش عشرات السنين في ظل الحروب والنزاعات وحتى مع افتراض استمرار حالة عدم الاستقرار والتمرد الحالي او خلافه مع بقاء الغلبة والتفوق للقوات المسلحة مسنودة بدعم شعبي فإن التخطيط الاقتصادي يجب ألا يتوقف بل من الأفضل أن نخطط ونبني هذا الاقتصاد الموازي بافتراض استمرار هذه التحديات جاعلين من هذه المناطق الحرة جزر ازدهار آمنة ومستقرة موزعه على كل مناطق البلاد تحميها القوات المسلحه مدعومة بالشعب وشبكات كبيرة المصالح المشتركة مع الشركات والدول المستثمرة

* ماذا لو نجحنا في هذا المسار السريع دعونا ننظر إلى الأرقام يبلغ الناتج المحلي الإجمالي الحالي للسودان حوالي أربعين مليار دولار تقريبا مما يضعنا في تصنيف الدول منخفضة الدخل بنصيب فرد لا يتجاوز ثمانمائة دولار سنويا هدفنا في هذا المسار الموازي هو مضاعفة هذا الناتج ست مرات باستخدام الأرباع الثلاثة المعطلة من مواردنا هذه الرحلة ستمر بمراحل متدرجة عند مضاعفة الناتج مرتين إلى ثلاث مرات سننتقل إلى شريحة الدول متوسطة الدخل الدنيا حيث تبدأ الطبقة المتوسطة في التعافي وعند الوصول إلى الهدف بمضاعفة الناتج ست مرات ليبلغ مائتين وأربعين مليار دولار سيقفز نصيب الفرد إلى ما يقارب خمسة آلاف دولار لندخل بثبات في شريحة الدول متوسطة الدخل العليا وهي مرحلة الرفاهية النسبية التي تضمن حياة كريمة للمواطن

* هذا التحول الهائل سينعكس مباشرة على الميزان التجاري الذي يعاني حاليا من عجز مزمن بسبب تفوق الواردات على الصادرات مع انطلاق عجلة الإنتاج في المناطق الحرة ستتضاعف الصادرات بشكل غير مسبوق ليتحول العجز إلى فائض تجاري ضخم هذا الفائض سيعني تدفقا هائلا للعملات الصعبة وهو العلاج الجذري والوحيد لأزمة سعر الصرف فاستقرار الجنيه السوداني ليس مجرد قرار إداري أو أمني بل هو الثمرة الطبيعية لتحويل ندرة الأفكار الجريئة إلى وفرة في الإنتاج الحقيقي والتصدير

* في نهاية المطاف يظل سعر الصرف هو المرآة الصادقة التي تعكس ميزان الندرة والوفرة في أي مجتمع إن المناطق الاقتصادية الحرة هي الجسر الذي يمكن أن يعبر بنا من ضيق الندرة المفتعلة إلى رحابة الوفرة المستدامة حيث يتحول سعر الصرف من أزمة نلاحقها إلى مؤشر يعلن للعالم أن السودان قد فتح أخيرا خزائنه المنسية إنها دعوة للتفكير الجماعي لبناء اقتصاد جديد بجانب القائم وليس بدلا منه لاستغلال ما أهملناه من ثروات ولبناء مستقبل يليق ببلد يمتلك كل شيء وينتظر فقط أن يغير أبناؤه ما بأنفسهم ليغير الله ما بهم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *