
بسم الله الرحمن الرحيم
تحياتي لكم،
قرأت مقالكم (الشواهد المخيفة في سيرة ترمب والخليفة)، باهتمام وتقدير، وأود أن أشيد بالموضوعية التي كست مفرداته، وبالمنهج المتزن الذي تناولتم به واحدة من أكثر الجوانب إثارة للجدل في تاريخ السودان، ألا وهي طريقة قراءة تاريخ الدولة المهدية، وخصوصاً فترة الخليفة عبد الله بن السيد محمد الكرار. فقد نجح المقال في إجلاء كثير من الغبار الذي علق بوقائع تاريخية عديدة، منها معركة أم دبيكرات، نتيجة اعتماد أجيال من الدارسين على كتابات خصوم الدولة المهدية، وهي كتابات في جوهرها تندرج ضمن حملة إعلامية وسياسية هدفت إلى إثارة الرأي العام البريطاني وحشده لدعم غزو السودان وإسقاط دولته المستقلة.
لقد أسهم المقال في رفع صورة الخليفة عبد الله من الثرى الذي أراد المستعمرون أن يدفنوا فيه رمزية الدولة الوطنية السودانية، وأن يجعلوا من هزيمتها في ام دبيكرات رسالة دائمة للسودانيين بأن دولتهم قد سقطت ولن تقوم لها قائمة. ومن هذه الزاوية فإن المقال يمثل إسهاماً مهماً في إعادة قراءة التاريخ الوطني بعيداً عن الروايات الاستعمارية التي ظلت مهيمنة لعقود طويلة. فالمشهد التاريخي في ام دبيكرات والاستشهاد البطولي الخليفة عبدالله والخليفة علي ودحلو وصديق ود المهدي أحال الهزيمة المادية إلى انتصار معنوي مدهش. كما أحسن المقال حين أنصف الجهاد المدني الذي اختاره الإمام عبد الرحمن المهدي باعتباره الوسيلة التي تناسب مقتضيات العصر الحديث؛ عصر العمل السلمي والقوة الناعمة والنضال السياسي والاجتماعي، وهو النهج الذي أثبت فعاليته في المحافظة على ما تبقى من كيان الأنصار واستمرار حضوره الوطني حتى تحقق جلاء المستعمر واستعاد السودان استقلاله.
غير أنني أود استدراك بعض الوقائع التاريخية ذات الصلة بالأحداث التي أعقبت معركة كرري سقوط الدولة المهدية. فقد كان الخليفة شريف وأبناء الإمام المهدي، الفاضل والبشرى والصبي عبد الرحمن، قد عزموا على الرحيل ومعهم النساء والأطفال والجرحى وجموع من الأحباب الخروج من امدرمان للالتحاق بجيش الخليفة عبد الله. وبعد أن وصلت هذه المجموعة إلى منطقة بالنيل الأبيض، شمال شرق مدينة تندلتي بقليل، وكانوا على تواصل مع جيش الخليفه عبدالله، فأرسل لهم الخليفة عبد الله مائة جمل دعماً لهم وتيسيراً لمواصلة الرحلة الشاقة. إلا أن ظروف المسير كانت بالغة القسوة، إذ بلغ الركب مبلغاً عظيماً من العناء والجوع، والعطش، وكان معهم عدد كبيرا من النساء والأطفال، فاضطروا إلى ذبح وأكل ستين جملاً من تلك الإبل. ومع تناقص الموارد وصعوبة الحركة، تقرر إرسال الأطفال والنساء اللائي كانت أزواجهن بصحبة الخليفة عبد الله على الأربعين جملاً المتبقية للحاق بأزواجهن، بينما رأى الخليفة شريف أن يستقر مع المجموعة التي بقيت معه في الجزيرة أبا انتظاراً لما يقضي الله به من أمر.
وأثناء محاولتهم عبور النيل الأبيض في اتجاه منطقة الشوال، فوجئوا بقوة عسكرية كبيرة من جيش الإستعمار ومعهم عبد الرحمن أبو دقل، الذي كان قد انحاز إلى قوات الاحتلال. فقاموا بحجزهم تحت الحراسة في تلك المنطقة، وأبلغت القوات الغازية بمكانهم، فأرسلت باخرة تولت اعتقال الخليفة شريف والفاضل والبشرى والسيدة مقبولة، بينما تُرك الطفل عبد الرحمن وبقية أفراد العائلات والأطفال. ومن هناك نُقل الأسرى إلى سجن حلفا.
ولكن بعد أن اطمأنت سلطات الاحتلال إلى استقرار الأوضاع، سُمح للخليفة شريف وإبني المهدي والسيدة مقبولة بمغادرة معسكر الاعتقال، مع استمرار قرار منعهم من الاستقرار في الجزيرة أبا، فوقع الاختيار على منطقة الشكابة على النيل الأزرق، حيث فُرضت عليهم رقابة صارمة من القوة الإنجليزية المرابطة في سنار. أما بقية الأسرى الذي لم يرحلوا الى حلفا فقد تركوا في العراء وكان معاهم الصبي عبدالرحمن المهدي ، فانتقلوا إلى حلة ود عبد العزيز قرب المسلمية تحت ضيافة زوجة الامام المهدي عائشة بنت احمد شرفي، ثم بعد ذلك التحقوا بالخليفة شريف في الشكابة.
ومع ذلك عندما علم الأنصار بوجود الخليفة شريف وأولاد المهدي في الشكابة أخذوا يتوافدون عليه، وأقاموا مساكنهم وأكواخهم حول منزله المتواضع. ورغم تعدد الروايات بشأن دوافع اغتيال الخليفة شريف والفاضل والبشرى، فإن الثابت أن السلطات الاستعمارية البريطانية، بناءً على وشايات وتقارير أمنية، قررت اعتقالهم ،كما تشير كثير من الشواهد إلى أن الإدارة الاستعمارية كانت تنظر إلى أسرة الإمام المهدي باعتبارها مركزاً محتملاً لإحياء المقاومة الوطنية، ولذلك سعت إلى القضاء على الرموز التي يمكن أن تلتف حولها الجماهير وتستعيد من خلالها روح المهدية ومشروعها الوطني.
عند وصولهم الى الشكابة على متن باخرتين من سنار قام الجنود البريطانيون فورا باعتقال الخليفة شريف والفاضل والبشري ، وخلال إعتقالهم حاول الانصار فك أسرهم فقاوموا المعتدين .. ومن بينهم انصاري يسمى بلة الغرقان فقام “برفع فأسه وصاح صيحة الدين منصور وحينها اطلق جنود الحكومة نيرانهم على الانصار… فسقط 17 شهيدا . وعقبا لذلك تشكلت محكمة عسكرية ميدانية وقررت إعدام الخليفة شريف وابني الإمام المهدي الفاضل والبشرى فكانوا مرحبين بالموت وثبتوا ثباتا عجيبا وقالوا بصوت واحد “إنا للموت صابرون” فأعدموا رميآ بالرصاص تحت ظل شجرة الجميزة….قال السيد عبدالرحمن يصف ما فعله الانجليز بأجساد الخليفة شريف والفاضل والبشري بعد إعدامهم “فإن اجسادهم قد اثقلت بالحجارة وقذفت بها في نهر النيل….لعل الحكام ارادوا الا تكون لهم قبور تزار.
وفي ظل هذا المشهد الدموي االمأساوي والبطولي في نفس الوقت ..وقفت السيدة مقبولة بنت نورين والدة الامام عبد الرحمن وبدأت تصيح بالجنود بأعلى صوت وقال قولتها المشهورة: لقد قتلتم اخوانه… هذا ود المهدي فأقتلوه مع اخوانه ودفعت به للامام ، فقام بعدها احد الجنود بالصدمة باطلاق النار على الصبي عبدالرحمن واصيب بطلق النار في كتفه في محاولة استهدفت القضاء على رموز الأسرة المهدية ، غير أن العناية الإلهية شاءت له النجاة ليصبح لاحقاً أحد أبرز قادة الحركة الوطنية السودانية.
بعد المجزرة تحرك الصبي عبد الرحمن المهدي ووالدته وبقية من كان معهم من العوائل في موكب مأساوي حزين وواصلوا مسيرهم شمالا حتى استقر وا في جزيرة الفيل قرب مدني حيث استضافهم ود شقدي واقاموا معه
ردحا من الزمن.
وقد قاد الإمام عبد الرحمن، مع المخلصين من أبناء السودان، مسيرة سلمية طويلة من النضال السياسي والمدني أثمرت في نهاية المطاف استقلال البلاد، مثبتاً أن إرادة الشعوب قد تنتصر بالحكمة والصبر والعمل المنظم كما تنتصر بالسيف في ميادين القتال.
أخي حسين حفيد الشهيد الشريف احمد ود طه لقد لمست في مقالكم روحاً أنصارية أصيلة لا تفارق مهما تباينت مواقعهم وانتماءاتهم، كما لمست فيه روحاً وطنية غير مستلبة تعتز بتاريخ السودان وحضارته وتحرص على قراءة ماضيه بعين الإنصاف لا بعين الدعاية الاستعمارية. ولذلك أرى أن هذا المقال يشكل إضافة مهمة إلى جهود إعادة الاعتبار للرموز الوطنية وإلى كتابة تاريخ السودان من منظور أبنائه لا من منظور غزاته ومستعمريه.
فالتاريخ الوطني لا يُكتب بعيون الغالبين وحدهم، وإنما يُستكمل بسماع روايات أهله واستحضار تضحيات رجاله ونسائه الذين صبروا وصابروا وقاوموا وقدموا أرواحهم من أجل أن يبقى السودان وطناً حراً مستقلاً. ومن هذه الزاوية يأتي مقالكم مساهمة مقدرة في إعادة التوازن إلى السردية التاريخية وإحياء الذاكرة الوطنية التي ظلت زمناً طويلاً أسيرة للروايات التي صاغها المنتصرون.
ولابد من صنعاء وان طال السفر
**الصادق الهادي المهدي
١٠-٦-٢٠٢٦م









