المقالات

خبر وتحليل | عمار العركي يكتب : د. أماني الطويل …لمـاذا الآن؟

▪️أعادت أماني الطويل فتح ملف خطاب الكراهية والعنصرية ضد السودانيين في مصر، بعد إعلانها التقدم ببلاغ إلى وزارة الداخلية المصرية ضد إحدى صانعات المحتوى، متهمةً إياها بالتحريض العنصري ضد أصحاب البشرة السمراء، ومؤكدة أن مثل هذا الخطاب لا يستهدف السودانيين وحدهم، وإنما يهدد تماسك المجتمع المصري نفسه، ويسيء إلى مصالح مصر الاستراتيجية وعلاقاتها مع السودان.
▪️هنالك مجموعة من الأسئلة السياسية حول ما ذهبت إليه أماني الطويل: لماذا الآن؟ ولماذا هذه الواقعة تحديدًا من بين وقائع عديدة سبقتها، ومن شخصيات مصرية عامة أكثر شهرة وتأثيرًا من صانعة محتوى مجهولة؟ وهل أرادت أماني الطويل توجيه رسالة تتجاوز حدود هذه الحادثة إلى الدولة المصرية والرأي العام معًا؟
▪️جاء موقف الطويل متزامنًا مع تداول واسع لتصريحات نُسبت إليها في ندوة مغلقة بدولة الإمارات، قبل أن تنفي صحة تلك الروايات، مؤكدة أنها لم تزر الإمارات منذ أكثر من ثلاث سنوات، وهو ما وضع اسمها في قلب جدل سوداني واسع، وجعل توقيت موقفها الحالي محل قراءة وتحليل.
▪️قد يكون من التبسيط تفسير هذا التحرك باعتباره مجرد دفاع إنساني عن السودانيين. فمن يقرأ منشورها يلاحظ أن مرتكزاته الأساسية ليست حقوق الإنسان، وإنما الأمن القومي المصري، والعلاقات المصرية السودانية، وصورة الدولة المصرية، وتماسك المجتمع المصري. فهي لم تقل إن العنصرية مرفوضة لأنها تنتهك كرامة الإنسان فحسب، بل لأنها تمنح إثيوبيا فرصة لاستثمار الملف، وتهدد الأمن القومي، وتسيء إلى المصالح المصرية، وتفتح الباب أمام استقطابات داخلية على أساس اللون.
▪️وهنا تبرز الفرضية الأولى، وهي أن أماني الطويل لا تدافع عن السودانيين بقدر ما تدافع عن المصالح الاستراتيجية المصرية، وترى أن خطاب الكراهية أصبح عبئًا على هذه المصالح، وأن كلفة استمراره باتت أكبر من كلفة مواجهته.
▪️أما الفرضية الثانية، فتتمثل في أن خطاب الكراهية لم يعد مجرد أصوات معزولة على منصات التواصل، بل بدأ يتحول إلى ظاهرة يمكن أن تؤثر في الرأي العام، وربما في علاقات مصر الخارجية، وهو ما استدعى -من وجهة نظرها- الانتقال من التعليق إلى استخدام الأدوات القانونية.
وهناك فرضية ثالثة لا يمكن تجاهلها؛ فبعد الجدل الواسع الذي صاحب ما نُسب إليها من تصريحات عن السودان، ثم نفيها القاطع لتلك الروايات، ولا يمكن إغفال أن توقيت هذا الموقف جاء بعد الجدل الواسع الذي أثير حول ما نُسب إليها من تصريحات عن السودان، وهو ما يفتح الباب للتساؤل: هل أرادت أيضًا إعادة تقديم خطابها للرأي العام بعد ذلك الجدل؟”
▪️كما أن توقيت هذا الموقف يتزامن مع مرحلة جديدة من الحرب، والحديث عن اللاجئين وإمكانات العودة. وفي مثل هذا السياق، يصبح من الطبيعي أن تنظر مراكز التفكير المصرية إلى خطاب الكراهية باعتباره عاملًا قد يعقد أي ترتيبات مستقبلية بين القاهرة والخرطوم. ومن اللافت أن أماني الطويل لم تعترض على فكرة عودة السودانيين إلى بلادهم، وإنما اعترضت على الوسائل القائمة على التحريض والعنصرية لتحقيق هذا الهدف. وهذا يعني أن الخلاف -في نظرها- ليس حول النتيجة، وإنما حول أدوات الوصول إليها.
▪️ولعل الرسالة الأهم في خطاب أماني الطويل لم تكن موجهة إلى صانعة المحتوى التي تقدمت ضدها بالبلاغ، وإنما إلى مؤسسات الدولة المصرية نفسها. فهي تطالب الدولة بأن تستعيد زمام المبادرة في إدارة هذا الملف، وأن تمنع تحوله إلى مساحة للفوضى الإعلامية أو التحريض الشعبوي، بما يحافظ على صورة مصر الإقليمية ومصالحها الاستراتيجية.
*خلاصة القول ومنتهاه:*
▪️في نهاية المطاف، يبقى السؤال مفتوحًا: لماذا الآن؟
قد يكون السبب إدراكًا متأخرًا لخطورة العنصرية، وقد يكون تغيرًا في حسابات الأمن القومي، وقد يكون استجابة لتطورات المشهد الإقليمي، وقد يكون أيضًا محاولة لإعادة ضبط صورة خطابها بعد الجدل الأخير. ولا يمكن الجزم بأي من هذه التفسيرات منفردًا ،لكن المؤكد أن موقف أماني الطويل يعكس حقيقة أن ملف السودانيين في مصر لم يعد مجرد قضية لجوء أو تعايش اجتماعي، بل أصبح ملفًا تتداخل فيه اعتبارات الأمن القومي، والسياسة الخارجية، وإدارة الرأي العام، والعلاقات بين دولتين تجمعهما الجغرافيا والتاريخ والمصير المشترك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *