مقال

الحسد في السودان وقطع الزهرة الطويلة بقلم : فضل محمد خير

في حكاية شعبية قديمة، يُحكى أن رجلاً وجد نفسه في قاع بئر عميقة مع مجموعة من الأشخاص. كلما حاول أحدهم تسلق الجدران للنجاة، لم يقم الباقون بدفعه للأعلى، بل سحبوه من قدميه ليعود إليهم في القاع. هذه القصة ليست مجرد أسطورة، بل هي تجسيد دقيق لظاهرة نفسية واجتماعية تنهش في جسد مجتمعنا، ظاهرة تُعرف عالمياً بـ “متلازمة قطع الزهرة الطويلة”، ومحلياً بـ “ثقافة الحسد ومعاداة النجاح”.
وللأسف الشديد، وبصورة مؤلمة، لم يعد هذا السلوك مقتصراً على قطاع الأعمال أو السياسة، بل أصبح سمة تطال قطاعات واسعة في السودان. من البنك الناجح إلى الطبيب البارع، ومن المهندس المبدع إلى الأكاديمي المتميز والرياضي المتألق؛ يبدو أن النجاح أصبح ضريبة باهظة. لكن الأخطر من ذلك كله، أن هذا الحسد لدى البعض لم يعد مجرد غيرة عابرة، بل تحول إلى “حسد لدرجة التدمير”. كيف تحول الحسد عند فئة من مجتمعنا من مجرد شعور بشري إلى سلاح دمار شامل يغتال الكفاءات، ويطرد العقول، ويهدد بقطع شريان الحياة عن المواطنين؟
لم تكن هذه الظاهرة وليدة اليوم. لقد رصدها المفكرون والأدباء السودانيون منذ عقود بمرارة وسخرية. فالمفكر الراحل الدكتور منصور خالد، في تشخيص دقيق وقاسٍ، شبّه الحاسدين في السودان بـ “كلب القرية الذي يلهث خلف كل عربة مارة، فإذا توقفت صدّ عنها منتظراً أخرى”. أما العلامة عبدالله الطيب، فقد ذهب أبعد من ذلك حين قال ساخراً: “إن بجزيرة العرب عشر قبائل اشتهرت بالحسد، هاجرت منها تسع إلى السودان!”. وحتى المفتش الإنجليزي بيتر هوق، لاحظ مبكراً أن “الحسد منتشر بين بعض السودانيين، مما يصعّب عليهم حكم أنفسهم”.
في بيئتنا اليوم، لا يُقاس النجاح بحجم الإنجاز، بل بحجم الغيرة التي يثيرها. وكما يصف أحد رجال الأعمال المحليين المشهد: “الأمر أشبه بسباق نحو قمة الجبل، فإذا تقدمتهم، لا ينافسونك في الصعود، بل يسحبونك من قدمك لتقع”.
في الأدبيات الأكاديمية العالمية، تُعرف هذه الحالة بـ “متلازمة قطع الزهرة الطويلة”. الفكرة بسيطة ومخيفة: الزهرة التي تنمو أطول من بقية الزهور في الحقل، يجب أن تُقطع ليتساوى الجميع في القصر. دراسات حديثة من جامعات عالمية أثبتت أن هذه المتلازمة ليست مجرد مشكلة اجتماعية، بل هي كارثة اقتصادية وتنموية. “الحسد التدميري” يدفع الأفراد لتبني سلوكيات تهدف إلى الإضرار بالشخص الناجح وتدمير ما بناه بالكامل، حتى لو لم يحقق الحاسد أي منفعة مادية، بل حتى لو تضرر هو نفسه من هذا التدمير! النتيجة؟ هروب الكفاءات، تراجع الاستثمار، وخوف المبدعين من إبراز نجاحاتهم.
نلاحظ الآن في مجتمعنا تفشي ظاهرة الاغتيالات المعنوية لأسباب مختلفة وشخصية ونشر الإشاعات التي نتيقن أنها أكاذيب وتُلفق ببراعة. ويعلم الكثير منا بالتلفيق مع ذلك نتمنى أن تكون صحيحة رغم أننا نلاحظ الحديث بغير معرفة، وتلوين الحقائق لأسباب خاصة ومآرب شخصية. في السودان، تحول هذا الحسد إلى “رياضة وطنية” تُمارس عبر حملات التشويه الممنهجة، ونبش الماضي، واختلاق الشبهات حول كل من يجرؤ على التميز في أي مجال كان، والهدف واحد: التدمير الشامل للناجح ومؤسسته.
إذا أردنا أن نرى الأثر المدمر لهذه الثقافة على أرض الواقع، فلننظر إلى مؤسساتنا الوطنية الكبرى. في خضم الحرب الطاحنة التي كادت أن تعصف بالبلاد، وانهار النظام المصرفي التقليدي، تحولت التطبيقات البنكية إلى شريان الحياة الوحيد لملايين السودانيين. عبر هذه التطبيقات، التي تتجاوز معاملاتها أكثر من عشرة ملايين معاملة يومياً، يشتري المواطنون طعامهم، ويدفعون إيجاراتهم، ويتلقون تحويلات المغتربين التي تبقيهم على قيد الحياة. إن مثل هذا النجاح لا ينتج بالصدفة.
ومع ذلك، لم تسلم هذه المؤسسات الوطنية من حملات التشويه والاستهداف الممنهج. وهنا تكمن المفارقة الساخرة: يبدو أن البعض يعتقد أن محاولة “إسقاط” مؤسسة ناجحة هي مجرد لعبة مسلية لتصفية حساباتهم الشخصية، متناسين أنهم في غمرة حماسهم لـ “قطع الزهرة الطويلة” وتدمير الكيانات الناجحة، يقطعون فعلياً شريان الحياة المالي والكيان الاقتصادي الأكبر.
عندما تُبث الشائعات حول بنك بحجم بنك الخرطوم، أو تُشن حملات لتشويه صورته، فإن النتيجة المباشرة هي إرباك المنظومة المصرفية، وتأخير تطوير خدماتها التقنية، وخلق حالة من الذعر. في النهاية، الحاسد لا يتضرر، والمؤسسات المستهدفة تتجاوز الأزمة، لكن الوطن والمواطن البسيط هو من يدفع الثمن الحقيقي. إنها ظاهرة غريبة ومخيفة تستحق واجب علينا جميعاً الوقوف عندها طويلاً وكثيراً. وإلا توقعوا النتائج، لا يوجد فعل ليس له رد.
بما أننا نعيش في عصر أصبح فيه النقد والتشويه أسهل من البناء، وبما أن “النجاح” في السودان أصبح تهمة تستوجب الاعتذار في كل القطاعات، فربما حان الوقت لنترك جميعاً أعمالنا ومؤسساتنا وعياداتنا وجامعاتنا ونخرج إلى وسائل التواصل الاجتماعي. نعم، دعونا نؤسس “دولة التواصل”، حيث لا نحتاج إلى اقتصاد حقيقي، ولا بنوك، ولا تطبيقات مالية، ولا مستشفيات، ولا جامعات. في هذه الدولة الفاضلة، سيكون رأس المال هو عدد الإعجابات، والعملة الصعبة هي المشاركات، والوظيفة الوحيدة المتاحة هي “محلل استراتيجي لشؤون إفشال الآخرين”. في “دولة التواصل”، لن نحتاج إلى رواد أعمال يبنون مصانع أو يطورون تقنيات، بل سنكتفي بجيوش من المغردين الذين يجيدون تفكيك سير الناجحين ونبش ماضيهم. وإذا جاع المواطن، يمكنه ببساطة أن يقرأ منشوراً طويلاً عن كيف أن فلاناً فاسد، وسيشعر بالشبع فوراً!
يتساءل الكاتب طارق فرح في مقال سابق بمرارة: “كيف لوطنٍ يخاف من متفوقيه أكثر مما يخاف من فاسديه؟”. إن الحسد التدميري في السودان هو معوق هيكلي يطرد الكفاءات ويخنق التنمية في كل المجالات. لا يمكن لهذا البلد أن ينهض من رماد أزماته الحالية إلا إذا أدرك مجتمعه أن تدمير الناجحين لا يصنع وطناً متساوياً في الثراء أو المعرفة، بل يصنع وطناً متساوياً في الفقر والجهل.
ولكن، مع كل ما ذُكر، إلا أن السودان بخير شديد، وفيه الشرفاء الأنقياء، كرام الخلق والأخلاق، الذين يبنون في صمت ويعملون بإخلاص. بدلاً من ممارسة الحسد وتدمير النجاح، وجر بعضنا لنبقى في قاع البئر، دعونا نأخذ بأيدي بعضنا لنخرج جميعنا إلى بر الأمان. دعونا نحتفي بالنجاح وبالناجحين، ونأخذ بأيدي شبابنا المبدع لنلحق بركب الدول التي كرست جهدها للنجاح والبناء. إن طاقة الهدم التي نستهلكها في محاربة بعضنا البعض، لو وجهناها نحو التعاون والدعم، لصنعنا معجزات. حان الوقت لنتوقف عن سحب بعضنا البعض إلى قاع البئر، وأن نبدأ في دفع الناجحين للأعلى، لأنهم في النهاية، سيحملوننا جميعاً معهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *