
_في البدء، أنا الشيخ الأمين عمر، سلكت طريق القوم وأنا صغير؛ كنت طالبًا في المرحلة المتوسطة آنذاك، وأخذت البيعة على يد العارف بالله الشيخ عبد الله يوسف قرشي المكاشفي، المعروف بـ(ود العجوز)، الإنسان ذو الخُلق المحمدي، عليه رحمة الله.
_تلقيت على يده دراسة العلوم الشرعية وعلوم التصوف.
توجهت بعدها إلى جامعة الملك عبد العزيز بجدة، وبعد عودتي ركّز الشيخ عبد الله ود العجوز على تهيئتي للمشيخة في ذلك السن المبكر، وكانت له نظرة أهل البصيرة المجتمعة بالحكمة؛ إذ كان يريد نشر التصوف في العاصمة ذات البيئة المختلفة، حيث الوسط يغاير القرية، فكان لا بد من اختيار سفير — كما قال الله تعالى: ﴿رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾ — يعلم لغتهم ويستطيع التخاطب معهم بأساليبهم الحديثة، ليصل إلى فئة الشباب بجوهر علم التصوف الذي غابوا عنه، بل وصلوا إلى حد الابتعاد عن الدين والميل إلى التطرف.
_وكان الفكر السائد عن الصوفي أنه بعيد عن الحياة، ذو مظهر رث، بعيد عن النظافة، ويساء إليه بقول (درويش) أو (أهل الفتة)، وكل ذلك تحت مفهوم الزهد، الذي لا يعرف معظم الناس معناه الحقيقي؛ فالزهد ليس في المظهر، وإنما في الفعل والجوهر.
فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، قال أنس بن مالك رضي الله عنه: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي عطاءَ من لا يخشى الفقر» متفق عليه. فهذا يدل على أن الزهد ليس فقراً وأنه ﷺ كان يملك الدنيا ويزهدها أي ينفقها.
فلا يمكن لمن لا يملك الشيء أن يزهد فيه، وهذا هو الفرق بين الفقر والزهد.
فسيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه كان من أغنى أغنياء مكة، وكان يُعرف بشيخ الزاهدين، وكذلك في مسار التصوف، وكبار أعلام التصوف مثل أبي الحسن الشاذلي وغيرهم كانوا أغنياء زاهدين.
_وهنا بدأت رسالتي في أنه لا بد من تصحيح هذه الأفكار، عبر جعل السند الأول لهذا التصحيح المشرع، والأستاذ الأول صاحب الرسالة، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي جاء بالوحي وما حواه من علوم. فمن يدرس سيرته لا يجد فيها موضعًا واحدًا يدل على إهمال المظهر الخارجي؛ فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يهتم بشَعره، إذ قال أنس بن مالك رضي الله عنه: «كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُكثِرُ دُهنَ رأسِه». وثبت أنه كان له مِشط. وكان صلى الله عليه وسلم يكتحل، فقال: «إنَّ من خيرِ أكحالِكم الإثمدَ، إنَّه يُجلِي البصرَ ويُنبِتُ الشَّعر». وكان يخضب لحيته، ودل على تغيير الشيب، فقال: «إنَّ اليهودَ والنصارى لا يصبغون، فخالِفوهم».
_وثبت عنه صلى الله عليه وسلم قوله: «حُبِّب إليَّ من دنياكم الطيبُ والنساء، وجُعلت قُرَّةُ عيني في الصلاة»، وكان يهتم بالسواك، فقد قال ﷺ: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتُهم بالسواك عند كل صلاة» متفق عليه، وكان يقص الأظافر ويعتني بالنظافة.
_كل ذلك وهو المخلوق الكامل المكمل الذي ورد عنه قوله (اللهم كما حسَّنت خَلقِي فحسن خُلُقِي) وكل ذلك تشريع لنا فهو لا يحتاج إلى طِيب؛ فقد ثبت أن عرقه ﷺ كان مسكًا،
أما وصف يده، فقد قال أنس رضي الله عنه: «يد رسول الله ﷺ كانت ألين من الديباج».
_وبناءً على ذلك بدأتُ بتغيير المظهر الصوفي، ليكون مواكبًا للحداثة والحضارة، ولتكون اليد العليا كما ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اليدُ العليا خيرٌ من اليد السفلى»، أي أن يكون الصوفي منتجًا يعمل، لا يعتمد على الهبات والعطايا، بل يكون هو الذي يعطي.
_فوجدتُ انتقادات عنيفة وتحديات، لأن طبيعة الإنسان أن يكون عدوًا لما لا يألف.
وزادت تلك الانتقادات بقبولي لكل أشكال الشباب من الطبقات الراقية المثقفة، وإن كانوا بعيدين عن هذا العلم. ونقلتُ التصوف إلى بريطانيا وفرنسا وبلجيكا، وكثير من دول أوروبا وأمريكا، ودول عربية أيضًا، عبر جعلهم يألفون هذا المنهج، وأنه لا ينقصه من الرقي شيء، ولا يبعد عن الحياة،
وتقريبهم إليه بقبولهم والنزول إليهم في أماكنهم، ثم تكليفهم بما قال الله وقال الرسول.
فالدين في بدايته جاء به المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى العرب بالتدرج؛ لم يُكلفهم في أول الرسالة بتشريعات، وإنما دعاهم، وجمعهم، ورغّبهم في الدين، ثم كلّفهم.
_وبدايتي المبكرة جعلتني أعرف لغة التخاطب مع هؤلاء الشباب؛ فأذكر أنه في لندن، عندما نقيم حلقة علم وذكر في المسجد الكبير، يأتي كبار السن ممن لهم دراية بما أقول، ويحضرون شوقًا إلى مثل هذه المجالس، بينما كان هدفي الشباب المبتعدين عن المسجد.
وللأسف لم يأتِ إلا القليل من الشباب، وبعد تفكير أقمت حلقة العلم والذكر في صالة بفندق ضخم، ونشرنا الدعوة، وبالفعل امتلأت الصالة بالشباب. وبدأنا بالنقاش الهادئ، والكلام عن الرجل الراقي، الشجاع، الكريم، الخلوق، الشهم، محمد صلى الله عليه وسلم، وقصصه مع الصحابة، واهتمامه بأدق التفاصيل. وتطرقت إلى ما يُنشر عن الإسلام في الغرب من اتهامه بالتطرف وقمع المرأة، فأظهرتُ أن الإسلام جاء لينصر المرأة، ويصونها، ويحفظ حقوق الجميع، حتى الحيوان.
ومنذ ذلك الوقت تبعني عدد كبير من الشباب في أوروبا، وكان أقل ما تحقق أن ابتعدوا عن المخدرات والحياة المخالفة لديننا الحنيف، واتجهوا إلى الصلاة وحسن الخلق.
وكما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يُعرف بالصادق الأمين قبل الرسالة، ثم بعد نشر الدعوة وُصف بالكاذب والساحر، فقد أوذي كثيرًا، حتى إن الله سبحانه وتعالى كان يأمره بالصبر على ما يقولون، وبسموّ الأخلاق في مواجهة الأذى، فقال عز وجل:
﴿فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾.
وعلى سيرته يسير من يُحدّث عنه؛ وقد بشّرني شيخي بالأذى، مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أشدُّ الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل».
أخيرًا، فإن ما واجهتُه من هجومٍ مشوب بغلّ وحقد وحسد، من أناس لم يعرفوني، ولم يروني، ولم يعلموا ما أفعل، لم يكن إلا طريقًا مألوفًا لكل من حمل رسالة صدق، وسار على نهج المصطفى صلى الله عليه وسلم.
وقد علمنا القرآن أن الصبر ليس ضعفًا، بل ثباتُ يقين، قال تعالى:
﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾.
وما كان هذا الأذى ليزيدني إلا تمسكًا بالطريق، ومضيًّا في عمل الخير،
ويقينًا بأن العاقبة للثابتين، والله يعلم، وأنتم لا تعلمون.
وللَّهِ في أقدارِهِ حِكَمٌ
تَخفى على الفِطنِ اللبيبِ الأريبِ
فاثبُتْ، فكم بعد العناءِ كرامةٌ
وكفى بربِّكَ ناصرًا وحسيبِ
ولنا في المسيد بقية ✒️











