
تقرير: محمد جمال قندول
أثارت تصريحات عضو مجلس السيادة رئيس اللجنة العليا لتهيئة البيئة لعودة المواطنين إلى الخرطوم، الفريق مهندس إبراهيم جابر والتي ذكر فيها بأن حكومة الأمل استأجرت مقاراً بالدولار ردود فعل واسعة، فيما أبرزت مواقع صحفية بالمستندات رد مجلس الوزراء الذى نفى أن يكون وقع عقوداً للايجار بالدولار .
الشاهد في معرض ما جرى خلال اليوميين الماضيين بأن عنصر الشفافية كان حاضراً من قبل حكومة الأمل فى ردًها على الاتهام بعد أن ردت بوضوح وبالوثائق مؤكدة أنه ليس هنالك ما يمكن أن يكون خافياً على الشعب.
توضيح الحقائق
وقال عضو مجلس السيادة الانتقالي الفريق إبراهيم جابر رئيس اللجنة العليا لتهيئة البيئة لعودة المواطنين إلى الخرطوم، إنّ تقريرًا رُفع إليه قبل أسبوعين كشف عن تأجير عقارات لوزارات بـ«الدولار»، مشيراً إلى أن رئيس الوزراء د. كامل إدريس نفى علمه بالأمر رغم أن خطاب الإيجار صادر من مجلس الوزراء.
وأفاد جابر بأنه أحال الأمر إلى المراجع العام الذي حقق في الأمر، كاشفاً عن أنّ الشخص الذي قام بتأجير العقارات «وزير كبير»، وذكر أنه وجّه بإلغاء العقود واستعادة الأموال ومحاسبة الوزير.
في المقابل، كشفت مصادر واسعة الاطلاع تحدثت لـ«الكرامة» عن ملابسات استئجار عقارات بالدولار، مشيرةً إلى أنّ قرار مجلس الوزراء الانتقالي رقم (170) بشأن اختصاصات ومهام الجهاز التنفيذي، حدد أنه من ضمن مهام واختصاصات وزارة شؤون مجلس الوزراء الإشراف على تخصيص العقارات الحكومية عدا تلك التي تتبع لمجلس السيادة.
وأوضحت المصادر نفسها أنّ مهام واختصاصات مدير العقارات الحكومية تتمثل في حصر وتصنيف العقارات الحكومية والإشراف عليها، وتوفير العقارات الحكومية المناسبة للوزارات والمصالح الحكومية القومية وعلى وجه الخصوص المرافق الحيوية ذات الارتباط بمصالح المواطنين وذلك على أساس الإيجار التعاقدي، إلى جانب، تبعية مدير وحدة العقارات الحكومية لإشراف وزير شؤون مجلس الوزراء ويرفع تقاريره له مباشرةً .
وواصلت المصادر توضيحها للحقائق بالقول أن مجلس الوزراء وجه في جلسته رقم (11) بتاريخ 30 أكتوبر 2025 بأن تنتقل وزارات الزراعة والري، والثروة الحيوانية، وغيرها إلى الخرطوم (فورًا) ، كما وجه مجلس الوزراء في ذات الجلسة بأن تنتقل مقرات وزارات مجلس الوزراء، والخارجية والتعاون الدولي، وغيرها إلى الخرطوم في مطلع ديسمبر 2025.
وأضافت المصادر أنه وتنفيذاً لتوجيهات مجلس الوزراء، شكّلت السيدة وزيرة شؤون مجلس الوزراء لجنة بموجب القرار 43 لسنة 2025م بتاريخ 18 نوفمبر 2025م لتجهيز مقار الوزارات الاتحادية بولاية الخرطوم، برئاسة مدير عام العقارات الحكومية، على أن يكون مدير عام الشراء والتعاقد بوزارة المالية مقررًا وعضوًا لتلك اللجنة وعضوية أخرين، وذلك لمساعدة الوزارات وتذليل الصعوبات التي تواجهها في تنفيذ عملية الانتقال الفوري للخرطوم.
باشرت اللجنة حسب المصادر عملها بالخرطوم ورفعت توصياتها للسيدة الوزيرة بضرورة توفير مقار بديلة ومؤقتة لوزارات الخارحية، الزراعة والري، والثروة الحيوانية والسمكية، ووزارة الشؤون الدينية والأوقاف التي تم استئجار مقرها ولم يتم السداد، مثلها مثل ووزارة البني التحتية، لصعوبة استكمال صيانة المقار التي تم تخصيصها لتلك الوزارات وفقًا لتقارير الشركات الاستشارية التي تم اختيارها لتقييم تلك المواقع وهي شركات: مرتضى معاذ، شاهقات، عجباني، والدار الاستشارية لجامعة الخرطوم، والتي حددت مواقيت تنفيذ لا تتناسب والفترة الزمنية المحددة للانتقال، بالإضافة إلى عدم إمكانية توصيل الكهرباء في المستقبل القريب في تلك المواقع وفقًا لإفادة وزارة الكهرباء.
ولفتت مصادر «الكرامة» إلى أن بعض ملاك العقارات درجوا على تحديد تكلفة مقارهم بالدولار، وذلك لتذبذب سعر العملة، مضيفةً: إلا أنّ استئجار هذه المقار تم بالعملة المحلية، ولم يتم سداد أي إيجار بالدولار، فيما دعت لإمكانية مراجعة وزارة المالية في ذلك.
آليات الضبط
يقول الخبير الاستراتيجي والمحلل السياسي د. عمار العركي إنّ تصريحات عضو مجلس السيادة الانتقالي إبراهيم جابر بشأن مسألة الإيجارات بالدولار، وما تبعها من تفاعلات وإثارة إعلامية ذهبت إلى تصوير الأمر وكأنه صراع أو تنازع داخل مؤسسات الدولة، وشغلت الرأي العام بسجال بدا أكبر من حجمه الحقيقي. غير أن القراءة الموضوعية والمتأنية للسياق تشير إلى عكس ذلك تماماً.
وتابع محدّثي بأن إثارة ملف الإيجارات – أيًا كانت طبيعته – تدخل في صميم مسؤولية الدولة في مراجعة أوجه الصرف العام، لا سيما في ظل الظروف الاقتصادية البالغة التعقيد التي تمر بها البلاد. ولفت إلى أنّ التطرق العلني إلى مثل هذه القضايا يعكس قدراً من الشفافية والانفتاح، بدلاً من إدارتها في الغرف المغلقة بعيداً عن الرأي العام.
يشير عمار العركي إلى أنّ العلاقة بين مجلس السيادة والحكومة التنفيذية، بحكم طبيعتها الدستورية، تقوم على التكامل لا التنازع، فمجلس السيادة، الذي يمثله الفريق أول إبراهيم جابر – بصفته السيادية، قبل صفته التنفيذية ضمن اللجنة المختصة المشكّلة بقرار سيادي – يضطلع بأدوار إشرافية ورقابية عليا، بينما تتحمل الحكومة المسؤولية التنفيذية المباشرة. وعليه، فإنّ أي ملاحظة أو استفسار أو توضيح في هذا الإطار ينبغي أن يُفهم باعتباره جزءًا من آليات الضبط المؤسسي، لا مؤشرًا على تصدّعٍ سياسي.
ويضيف العركي: كما أنّ تداول المسألة في العلن – سواء عبر التصريحات أو التوضيحات – يُعزز ثقة الشارع في أنّ مؤسسات الدولة تتعامل مع القضايا المالية والإدارية بقدرٍ من المكاشفة، ففي الدول التي تسعى إلى إعادة بناء مؤسساتها بعد أزماتٍ معقدة، تمثل ثقافة المساءلة الداخلية مؤشّراً صحياً، حتى وإن بدت حادةً في ظاهرها.
ويواصل العركي في معرض التعليق أنّ تصوير الأمر باعتباره مواجهة شخصية أو صراع نفوذ، فإنه يغفل حقيقة أن المرحلة الراهنة تتطلب أعلى درجات التنسيق بين المكوّنين السيادي والتنفيذي، وهو ما تؤكده الوقائع العملية حتى الآن، فلم يصدر ما يدل على تعطيلٍ مؤسسي أو قطيعةٍ سياسية، بل ظل العمل الحكومي يسير بصورة اعتيادية.
وعليه، يمكن قراءة ما جرى باعتباره تعبيراً عن حيوية داخل مؤسسات الدولة وحرصاً على ضبط الإنفاق العام، أكثر من كونه خلافاً سياسياً، بل إنّ إدارة مثل هذه الملفات بهذه الدرجة من العلنية قد تضيف إلى رصيد الحكومة والمجلس السيادي في جانب الشفافية والوضوح، خاصةً إذا أُتبعت بخطواتٍ إجرائية واضحة تعالج أصل المسألة وتضع ضوابط مؤسسية تمنع تكرارها، إذ إنّ الاختلاف في وجهات النظر داخل مؤسسات الحكم – متى ما ظل في إطاره المؤسسي والقانوني – لا ينبغي أن يُفهم بوصفه أزمة، بل قد يكون دليلاً على أن الدولة تمضي في اتجاه ترسيخ قواعد الانضباط والمساءلة.











