
Ghariba2013@gmail.com
بينما يحيي العالم اليوم الدولي لمنع التطرف العنيف واليوم العالمي لمكافحة استغلال الأطفال كجنود، يجد السودان نفسه مرغماً على تقديم التجسيد الأكثر مأساوية لهذين العنوانين. لم يعد التطرف في السودان مجرد “فكرة” تُناقش في الندوات، بل صار “مسيرة” انتحارية تقتحم خلوات القرآن، وصار “بندقية” تُسلم ليدٍ لم تقو بعد على حمل القلم.
ما حدث في مدينة الرهد، وتحديداً في “مسيد” لتعليم القرآن الكريم، باستهداف أطفال بمسيرة تابعة لقوات الدعم السريع، ليس مجرد “خطأ عسكري” أو “أضرار جانبية”. إنه الذروة البشعة للتطرف العنيف عندما يفقد البوصلة الأخلاقية تماماً، فمن حيث قدسية المكان، لمسيد في الوجدان السوداني هو الملاذ الآمن، ومن ناحية براءة الضحايا، فهم أطفال قُتلوا وهم يرتلون آيات السلام، وكانت الرسالة الدموية باستهداف هذه المحاضن يعني ضرب النسيج الاجتماعي والديني في مقتله، وهو عين الإرهاب الذي يُفضي إلى تمزيق الدولة.
ارتباط هذين اليومين العالميين في الروزنامة الدولية يجد صدىً مرعباً في الساحة السودانية اليوم. فالتطرف العنيف يحتاج دائماً إلى “وقود”، وللأسف، يتم تحويل أطفال السودان إلى هذا الوقود عبر التجنيد القسري واستغلال الفقر والنزوح لإجبار اليافعين على حمل السلاح، وغسل الأدمغة وشحن الأطفال بخطاب الكراهية والجهوية، مما يحولهم من بناة للمستقبل إلى أدوات للدمار.
فقدان الحماية: تحول المدارس ودور العبادة إلى ساحات معارك، مما يجعل الطفل السوداني “جندياً” بالضرورة أو “هدفاً” بالصدفة.
إن ما يشهده السودان حالياً يتجاوز مفاهيم الحرب التقليدية؛ نحن أمام حالة من التوحش المنظم. إن مقتل الأطفال في الرهد هو جرس إنذار أخير: التطرف العنيف عندما يمتلك تكنولوجيا المسيرات، وعندما يستهدف “الخلاوي” والمدارس، فإنه يعلن صراحةً حربه على “المستقبل” لا على “الخصم السياسي”.
إن المجتمع الدولي، وهو يحتفي بهذه الأيام، مطالب بالنظر بجدية إلى المأساة السودانية. فلا يمكن الحديث عن “منع التطرف” بينما تُباد براءات الرهد بصمت، ولا يمكن التشدق بـ”حماية الأطفال الجنود” بينما الأسواق والبيوت في السودان تفيض بصبية يرتدون الزي العسكري بدلاً من المريول المدرسي.
الخلاصة: إن دماء أطفال مسيد الرهد ليست مجرد رقم في سجلات الحرب، بل هي صرخة في وجه إرهاب أعمى لا يفرق بين ثكنة عسكرية وخلوة قرآنية. إن لم يتوقف هذا الانحدار، فإننا لا نفقد جيلاً فحسب، بل نفقد هوية السودان السمحة للأبد.








