
ما يجري في الساحة هذه الأيام، على مستوى قيادات الدولة، مخجل ومخيف ومزعج. فهو يبرز الخلل العميق في مفاصل الدولة، ويكشف بوضوح وجه اللوبيات والأدوات المستخدمة في تنفيذ الأجندات وتصفية الحسابات، دون أن يرفّ لهم جفن، أو يلتفتوا إلى مآلات ذلك، أو إلى الواقع المعقّد الذي يتشكّل فيه السودان من جديد.
والأخطر أن كل ذلك يحدث دون استصحاب تجارب الماضي المريرة على مختلف الصعد، وكأن الطمع وحب الأنا صفتان متأصلتان، ولعلهما من أهم الأسباب التي أقعدتنا عن اللحاق بركب الدول، رغم إمكانياتنا المهولة التي تدفع ذات الدول لمحاولة استغلالها.
مؤسف أن يستغل بعض المسؤولين مواقعهم لإنجاز معاملات خاصة، وهنا لا أعني حالة عضو مجلس السيادة المستقيلة وحدها، فهي على الأرجح واحدة من عشرات الحالات التي لم تجد طريقها إلى الإعلام وبقيت مستورة. ومؤسف أن يتهامس كبار مسؤولي الدولة، علناً، ضد رفاقهم، كردود أفعال لأحداث أياً كان نوعها. كما هو مؤسف أن “يصغّر” بعض المسؤولين خدّهم لمسؤولين مثلهم، وأن يُدار الخلاف بفقه “الجودية” بعيداً عن الحسم الذي تخوله مواقعهم كسلطة عليا.
دعونا من ذلك كله، ولنقف عند مسألة الإيجارات الدولارية التي تناولها الفريق إبراهيم جابر في حديثه للإعلام، وكأنما يعمد إلى فضح مسؤولٍ ما، كرد فعل على خطاب مسرّب، القصد منه ضرب الأول والثاني معاً.
الحديث عن إيجارات حكومية بالعملة الأجنبية، ومع قبحه في ظل ظرف اقتصادي قاسٍ تمر به البلاد، إلا انه ليس بمفسدة فما بالك ان تم نفيه. حتى وان كان لا يبدو سوى قطرة من فيض هوجة السيولة والفوضى المالية التي انتظمت بورتسودان، وارتوى من فيضها كثيرون حتى الشبع، ولسان حالهم يردد: “إن شاء الله الحرب ما تقيف”.
وفي الوقت الذي ينشغل فيه رأس الدولة بحربٍ ما أُنزل لها بها من سلطان، وسط تعاون دولي منقطع النظير، ويسعى بين صفاء العسكرية ومروة المدنية، وتتشعب أمامه شؤون الداخل والخارج، يخذله آخرون من داخل البيت نفسه. وما يجري سراً وجهراً في دهاليز المكاتب يندى له الجبين من فرط خبثه، وما آفة التسريبات على مختلف المستويات إلا إحدى أخطر أدوات هذا الفتك.
التنازع على السلطة، والتهافت على الكراسي، والانتقام والكيد، إضافة إلى الفساد وتصفية الحسابات… كل ذلك إن لم يُواجه بوعي وحزم من القائمين على الأمر، فستظل الدولة، وأي حكومة مدنية قادمة، مرتعاً للصراع والفوضى. لا بد من غربلة حقيقية، وإبعاد مثيري الفتن من دهاليز السلطات السودانية كافة… وأياك أعني.
لقد أصبحنا مادة للسخرية، وأخبارنا المهزلة يتداولها الإعلام الخارجي، ويشهدها عياناً ضيوف البلاد. صحيح أن لكل دولة سقطاتها، لكن سقطاتنا متناسلة، ويشارك فيها الكبار. لا يعقل أن تُبنى الأمور بكدٍّ من جهة، ثم تُهدم بسقطة واحدة من جهة أخرى.
أشفق على السيد الرئيس الفريق أول عبد الفتاح البرهان، الذي تتقاذفه أمواج الداخل يمنة ويسرى؛ فكلما طوى ملف أزمة، نبتت أزمات أخرى هنا وهناك. لكن، سيدي الرئيس، لا مناص من الضرب بيد من حديد. لا بد من الضبط والحسم لاستعادة هيبة الدولة التي ينخرها موظفون لا يعنيهم شرف الوظيفة ولا مصلحة البلاد، بقدر ما تعنيهم مصالحهم الخاصة.
سيدي… عليك بالسوس والحفّارين.








