
توقفت أمس الأول، وأنا أحكي عن واقع الخرطوم، عند أم درمان وضجيجها الذي يوحي إليك كأن شيئًا لم يكن. وهذه، في حد ذاتها، نعمة تشرح الصدور، وتبعث في النفس شيئًا من الطمأنينة بعد كل ما مرّت به المدينة.
من أم درمان عبرت إلى بحري، من خلال جسر الحلفايا. ذلك الجسر الذي شهد عمليات كر وفر، واستُرد أكثر من مرة، وأفضت الاشتباكات حوله إلى هدم جزء منه ما يزال ينتظر الترميم، شأنه في ذلك شأن صنوه جسر شمبات.
ولا أدري، لمَ كل هذا التأخير، رغم أن الشقيقة مصر أعلنت أكثر من مرة، وفي إطار مساهمتها في إعادة إعمار السودان، تبنيها لترميم الجسرين. وبالفعل، حضر وفد فني في نهاية العام 2025م، ثم انتهى الأمر إلى لا شيء.
تلاه حديث عن عطاء لشركات وطنية، ولحق الأمر بالمحاولة الأولى، وربما كانت التكلفة العالية سببًا في تعثر المحاولتين، لا سيما العطاء الخاص بالشركات الوطنية، الذي أثار لغطًا واسعًا.
جسر الحلفايا، ذاك الذي يتمدد لمسافة طويلة، وكأنه يطوق خصر النيل شمال بحري، يبدو وكأنه لم يتأثر كثيرًا بالهدم الجزئي الذي أصابه، ولم يؤثر ذلك في حركة المرور، التي تمضي منسابة في أحد مساراته التي تحتمل الحركة من وإلى.
وهو، رغم الحرب وآثارها، ما يزال يحتفظ ببعض تفاصيله المألوفة؛ مشاهد الباعة، ولا سيما السيدات اللائي يتوزعن على طوله، وكل واحدة منهن تحجز لنفسها مكانًا لبيع الآيس كريم، وغيرها من التفاصيل الصغيرة التي تمنح المكان شيئًا من روحه القديمة.
أما جسر شمبات، الرابط بين مدينتي بحري وأم درمان، فلم تسنح لي الفرصة للمرور في نطاقه، لكن، وبحسب ما هو متداول من صور، يبدو أن الضرر الذي لحق به جسيم.
وربما لم تكن الحاجة إليه ملحة في وقت مضى، لكن الآن، ومع عودة المواطنين وفتح الجامعات وعودة الحركة إلى المدن الثلاث، أصبحت الحاجة إلى تشغيله ماسة، ليس فقط باعتباره جسرًا يعبر عليه الناس، وإنما شريانًا مهمًا لحركة الحياة بين بحري وأم درمان.
مررت بمدينة بحري من عند جسر الحلفايا، مرورًا بالأحياء المتاخمة لشارع المعونة حتى تقاطع المؤسسة الشهير، ثم إلى الخرطوم عبر جسر النيل الأزرق.
وخلال ذلك، لاحظت أن ثمة هدوءًا قد ران على تلك الأحياء، بما يوحي بأن العودة إليها لم تكتمل بعد، رغم الحراك التجاري، ورغم أن عددًا من المحال قد باشر نشاطه من جديد.
وربما كان للوقت أثر في هذا الانطباع، فقد كانت الزيارة بعد ظهيرة الجمعة، وربما بدا المشهد أكثر هدوءًا لهذا السبب. وهو مشهد يختلف عن شمال بحري، التي بدت أكثر ازدحامًا بسكانها، وقد عادوا إليها مبكرًا.
اللافت أيضًا، ومما يشيع الطمأنينة في النفس، نقاط المرور والتفتيش، لا سيما عند مداخل الجسور، في مقابل انحسار المظاهر العسكرية لبعض التشكيلات التي أثار بعضها الفوضى في الطرقات والأحياء.
وهنا يحضرني تصريح مهم للسيد رئيس مجلس السيادة، القائد العام للقوات المسلحة السودانية، الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، لدى مخاطبته ملتقى الإعلاميين، وهو يتحدث عن جزئية غاية في الأهمية، وأكثر طمأنينة، عندما قال إنهم باتوا، وفي عدد من مقابلات الخارج، يحثونهم على عدم الالتفات لاحقًا إلى أمر الحركات المسلحة والمتمردة، حتى لا تتحول إلى مشروع ابتزاز بشأن السلطة والثروة، وأن يضعوا حدًا لهذا الأمر.
وقد أحسنت القيادة في هذا الأمر، كونه واحدًا من منغصات الحاضر، وأحد الملفات التي تحتاج إلى معالجة حتى تستعيد الحياة العامة هدوءها واستقرارها.
في السانحة القادمة، نتحدث عن إنسان الخرطوم.. السودان.










