المقالات

بيان مجموعة السبع والتحرك الأمريكي: قراءة في هندسة الهدنة الإنسانية السودانية بقلم :د. أماني الطويل

د. أماني الطويل
مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية والخبيرة فى الشئون الأفريقية

دخل الملف السوداني في الأسابيع الأخيرة طوراً تفاوضياً أكثر تحديداً من أي وقت مضى منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023. فبين بيان مجموعة السبع الصادر في يوليو 2026، الذي جدد الدعوة إلى هدنة إنسانية تمهد لوقف دائم لإطلاق النار ثم حوار سياسي بقيادة مدنية، ومبادرة أمريكية مباشرة قادها مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس للشئون العربية والأفريقية، ورد سوداني رسمي عليها تسرب مضمونه مؤخراً، بات بالإمكان قراءة ملامح أول اختبار تفاوضي جاد نسبياً لوقف الحرب، بعد سلسلة طويلة من المبادرات المتعثرة عبر سبعة مسارات دولية متوازية لم تفلح مجتمعة حتى الآن في تحقيق نتيجة ملموسة على الأرض.

وتكمن أهمية هذه اللحظة في أنها تتيح، للمرة الأولى منذ فترة، قياس المسافة الفعلية بين الطرح الأمريكي والموقف السوداني الرسمي بشكل مباشر ومحدد، بدلاً من الاكتفاء برصد بيانات عامة متكررة حول ضرورة وقف القتال وحماية المدنيين. فقد اقترحت واشنطن هدنة إنسانية فورية لمدة تسعين يوماً، تتيح وصول المساعدات وتشمل انسحابات محدودة وإعادة انتشار في شمال دارفور وشمال كردفان تحديداً، على أن تناقش الترتيبات العسكرية النهائية لاحقاً ضمن مسار يفضي إلى جيش وطني موحد خاضع لسلطة مدنية مستقلة منتخبة، مع استبعاد جماعة الإخوان المسلمين وعناصر المليشيات المتهمة بانتهاكات جسيمة.

في المقابل، تضمن الرد السوداني المؤرخ في 25 يونيو الفائت توافقاً مع مبادئ عامة عدة، من بينها الإقرار بعدم وجود حل عسكري، وتشكيل لجنة تنسيق برئاسة واشنطن وعضوية أممية وأفريقية وعربية، لكنه اقترن بشرط جوهري هو ربط تنفيذ الهدنة بانسحاب كامل لقوات الدعم السريع من جميع المدن التي سيطرت عليها منذ مايو 2023، بدلاً من الانسحابات الجزئية التي وضعها المقترح الأمريكي، مع إبقاء الجيش الوطني الموحد مرتبطاً بالحكومة القائمة لا بسلطة مدنية مستقلة، واستخدام صياغة أعم هي جماعات التطرف العنيف بدلاً من تسمية الإخوان المسلمين الواردة في بيانات اللجنة الرباعية الدولية.

وتتركز المسافة الفعلية بين الطرحين في نقطتين متداخلتين: الأولى، تسلسل الخطوات، إذ يقوم التصور الأمريكي على وقف فوري غير مشروط تليه انسحابات تناقش لاحقاً، بينما يجعل الرد السوداني الانسحاب الكامل شرطاً مسبقاً لبدء التنفيذ. والثانية، طبيعة الجيش الموحد ومرجعيته السياسية مستقبلاً. وقد عكست تصريحات بولس نفسه أمام مجلس الأمن في 26 يونيو الفائت هذا الالتباس، حين أعلن رفض مجلس السيادة للمقترح ثم رحب لاحقاً، في الجلسة ذاتها، بما وصفه بقبول رئيس المجلس الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان له، بعد مداخلة من ممثل السودان أوضحت وجود رد يتضمن جدولاً زمنياً للانسحابات، كما قدم مجلس الأمن والدفاع السوداني توضيحاً بشأن التفاعل مع المقترح الأمريكي ووجود تواصل بهذا الشأن.

هذه التفاعلات تعكس اختلافاً في تفسير معنى القبول بالهدنة الإنسانية وآليات عملها أكثر مما تعكس رفضاً كاملاً. إذ تنظر الخرطوم إلى موافقتها المشروطة بوصفها قبولاً للإطار العام، بينما ترى واشنطن أن الشرط السوداني يغير جوهر المبادرة القائمة أصلاً على وقف فوري. ويضاف إلى هذا الالتباس غياب موقف رسمي معلن من قوات الدعم السريع ذاتها، التي أشار مسئول فيها إلى تسلم المقترح وتقديم رد مكتوب دون كشف تفاصيله، بينما أوضح مصدر آخر فيها أن الانسحاب من المدن ليس مطروحاً بما يجعل الفجوة بين الأطراف الثلاثة الفعلية أوسع مما توحي به لغة التصريحات الرسمية.

وتبدو إمكانية التوفيق بين الطرحين، في المرحلة الراهنة، مرهونة بثلاث روافع إقليمية عربية متقاطعة: الأولى، التنسيق المصري الذي أشار إليه بولس صراحة، والذي يمنح القاهرة موقعاً مؤثراً في بلورة صيغة تلبي حداً أدنى من مطالب الجيش بشأن مصير قوات الدعم السريع. والثانية، الترحيب السعودي القائم على ثِقل الرياض في منصة جدة وقدرتها على دعم آليات المراقبة والضمانات. والثالثة، موقف القوى المدنية السودانية التي وصفت خريطة الطريق الرباعية بأنها الأكثر شمولاً حتى الآن.

ويمكن القول إن هذه الروافع الثلاث تصطدم بعقبات لا تقل أهمية عن العقبات السياسية المباشرة، من بينها استمرار المعارك في مناطق ذات أهمية استراتيجية، حيث يسعى كل طرف للسيطرة عليها لتحسين موقعه التفاوضي قبل أي تجميد فعلي للخطوط، وصعوبة ضمان التزام كامل التشكيلات المقاتلة المنتشرة على رقعة جغرافية واسعة بأي اتفاق مركزي. وفي غياب صيغة وسيطة تجمع بين هذه الروافع وتتجاوز عقباتها، يظل المرجح أن يستمر النمط الراهن من الإعلان المتكرر عن اقتراب اختراق دبلوماسي دون أن يقترن ذلك بوقف فعلي للقتال.

في هذا السياق، يمكن رصد الجهود الدولية الأوسع تجاه هذا الملف في سبعة مسارات متوازية، يمكن تجميعها في ثلاث مجموعات وظيفية. المجموعة الأولى، هي الأطر التفاوضية الإقليمية الدولية المشتركة، وتضم اللجنة الرباعية التي تجمع الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر، والآلية الخماسية التي تضم المنظمات الدولية والإقليمية والقارية، حيث ما زال هذان الإطاران يواجهان صعوبة المواءمة بين أولويات أعضائهما المتباينة.

المجموعة الثانية، هي الوساطات الأممية والإقليمية المباشرة، وتضم جهود المبعوث الأممي بيكا هافيستو، التي تحظى بدعم صريح في بيان مجموعة السبع لكنها تبقى محدودة أدوات الإنفاذ ومرهونة بتوافق الدول الكبرى داخل مجلس الأمن، إذ لا يملك المبعوث الأممي في العادة قدرة إنفاذ مباشرة بل يعتمد بالأساس على التنسيق بين الفاعلين الإقليميين ونقل مقترحاتهم إلى المجلس، ومنصة جدة التي أنتجت إعلان جدة لحماية المدنيين قبل أن تتعثر لضعف التحقق الميداني وضعف ارتباطها التنظيمي بالمسارين الرباعي والخماسي، بحيث ظلت أقرب إلى مسار موازٍ منها إلى حلقة مندمجة ضمن هندسة تفاوضية شاملة، ومبادرات منظمة إيجاد الإقليمية التي واجهت منذ البداية إشكالية مصداقية مرتبطة بتباين مصالح أعضائها وغياب الثقة المتبادلة المطلوبة لنجاح أي وساطة قبل انطلاقها.

المجموعة الثالثة، هي أدوات الضغط المؤسسي والثنائي، وتضم مجلس الأمن الدولي، حيث تبقى الدعوة لتوسيع حظر توريد السلاح ليشمل كامل الأراضي السودانية مرهونة بقرار أممي لم يصدر بعد ويصطدم بانقسام الدول دائمة العضوية، والأدوات الأمريكية الثنائية من عقوبات فردية وبيانات سياسية، والتي بدأت أخيراً تتقاطع مع انخراط تفاوضي مباشر عبر مسعد بولس، في مؤشر على انتقال تدريجي من إدارة الملف عبر الأطر الجماعية وحدها إلى تفاوض أكثر تفصيلاً.

كما تنضم إلى هذه السلسلة مجموعة الدول السبع، التي أقرت مؤخراً في بيان عقب قمتها في يوليو الجاري، بأن تعدد المسارات الموازية يخلق فرصاً للمناورة أمام أي طرف يرغب في تعطيل مسار بعينه دون تحمل كلفة سياسية كاملة، نظراً لإمكانية الانتقال إلى مسار آخر موازٍ يحمل خطاباً مشابهاً.

ويبقى إلى جانب هذه المسارات السبعة قناة إنسانية منفصلة نسبياً، هي جهود الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة للوصول إلى المناطق المحاصرة، والتي تصطدم بعقبات ميدانية مرتبطة بالفاعلين العسكريين أنفسهم، بحيث تظل الفجوة بين الالتزامات السياسية المعلنة ومستوى الوصول الإنساني الفعلي من أكثر الإشكاليات تكراراً في هذا الملف.

ويمكن استخلاص أن اللحظة الراهنة، رغم كثافتها التفاوضية غير المسبوقة، تبقى أقرب إلى جولة تفاوض أكثر جدية من سابقاتها منها إلى اتفاق نهائي وشيك، ذلك أن الفجوة بين الأطراف الثلاثة الفعلية: واشنطن والخرطوم وقوات الدعم السريع، ما تزال قائمة حول تسلسل الخطوات وطبيعة الترتيبات الأمنية والسياسية النهائية، وهي فجوة لا يبدو أنها ستغلق بمجرد تبادل مزيد من الوثائق المكتوبة دون تغيير موازين الحوافز لدى الأطراف الثلاثة جميعاً. فضلا عن أن المبادرة الأمريكية الأخيرة، بخلاف المسارات الستة الأخرى، تمثل أول محاولة جادة لدمج الانخراط التفاوضي المباشر بالأطر الجماعية القائمة، وهو ما قد يمنحها فرصة أكبر للنجاح إن اقترنت بتنسيق فعلي مع الفاعلين الإقليميين العرب بدلاً من التحرك المنفرد، لكنه يظل مشروطاً أيضاً بوضوح الموقف الأمريكي ذاته بشأن وحدة التراب الوطني السوداني.

يبقى أن الفاعلين الإقليميين العرب، وفي مقدمتهم مصر والمملكة العربية السعودية، يحتلون موقعاً محورياً في أي صيغة توفيقية محتملة، بحكم قدرتهما على مخاطبة الطرفين السوداني والأمريكي معاً بما يتجاوز لغة البيانات الدولية العامة، وبحكم علاقاتهما المباشرة بطرفي النزاع الداخليين على حدٍ سواء.

الأهم، أن نجاح أي هدنة مستقبلية في السودان سيظل مرهوناً بمدى القدرة على إغلاق الفجوة بين لغة المقترحات المكتوبة ومستوى الالتزام الفعلي على الأرض، وهي فجوة لم يتم غلقها حتى الآن في أيٍ من المسارات السبعة سالفة الذكر، بما يجعل من هذه الجولة اختباراً حقيقياً لما إذا كانت الهندسة الدبلوماسية المكثفة قادرة أخيراً على تجاوز نمط إدارة الأزمة السودانية إلى إنتاج تسوية فعلية تحقن دماء السودانيين وتوقف واحدة من أكثر الكوارث الإنسانية إلحاحاً في عالمنا اليوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *