
نحمد الله اولا علي أن كثيرين من القراء توافقوا معي علي أهمية الحوار، وعلي أن طريق إنهاء الحرب بالسلام اقصر من طريق انهائها بالاستسلام، وأقل تكلفة، الا أن هناك بعض يتساءلون عن سبب اصراري علي مشاركة الاسلاميين ومنسوبي أحزاب الحرية والتغيير في الحوار المرتقب، ويتساءل البعض عن التركيز علي ضرورة أن يكون الحوار شاملا للجميع، وعدم التركيز علي موضوعات الحوار ومنهجه.
واقول اولا أن لأهلنا في دارفور مثل يقول (شوكاى بسلو بدربو) اي ان الشوكة التي تطعن الإنسان تخرج بذات المكان الذي شاكته فيه، وإذا بحثنا عن طريق اخر لاخراجها، نوسع الجرح، ونفشل في إخراج الشوكة، ومشاكل السودان كلها، ونزاعاته، وعدم استقراره السياسي، سببها عدم قبول بعضنا بعضا، والاستعلاء والإقصاء، وظل هذا هو النهج المتبع منذ الدولة الوطنية الاولي في عهد المهدية، فبعد أن وحدث الثورة كل الشعب السوداني، تنازعت مكوناته بعد قيام الدولة، وتصارعت، وذات السودانيون الذين نصروا الثورة وناصروها، وحرروا البلاد، ذاتهم تحالفوا مع الغزاة، واعانوهم علي إسقاط الدولة، نكاية في حكامها الذين اختلفوا معهم، وناصبوهم العداء.
وقبل أن يهنأ السودانيون بنعيم الاستقلال الذي توحدوا في اتخاذ قراره من داخل البرلمان، دبت فيهم خلافات عصفت بوحدتهم، وقبل أن تكمل الحكومة الديمقراطية الاولي عامها الثاني، سلمت الاحزاب السياسية مقاليد الحكم للمؤسسة العسكرية، ووحدة الشعب في أكتوبر لم تدم طويلا، فلم تصبر الاحزاب الكبيرة علي تفلتات بعض أعضاء الحزب الشيوعي، رغم ضآلتها، وضعف أثرها، فطردوا نوابه المنتخبين شعبيا من البرلمان، فكانت النتيجة أن طردهم الحزب جميعا واستولي علي الحكم بانقلاب مايو ١٩٦٩م، ولم تتعظ الاحزاب من التجربة التي أقصتهم ستة عشر عاما، فلم يصبروا في الديمقراطية الثالثة علي الجبهة الإسلامية التي حققت نجاحا كبيرا، ونافست الحزبين الكبيرين، وزاحمتهما في البرلمان، وشاركتهما في الحكم، فتأمروا عليها مع بعض العسكريين، واخرجوها من الحكومة بمذكرة الجيش المشهورة تمهيدا لاخراجها من الحياة السياسية كلها، ولم يكونوا يدركون قوتها، وصلابة تنظيمها، وتحسبها لمثل هذا الموقف، فقلبت عليهم الطاولة، واستولت علي الحكم بانقلاب الإنقاذ في يونيو ١٩٨٩م.
لم يستفد الاسلاميون من دروس الماضي، وعبره، وتوهموا انهم مثلما تيسر لهم الاستيلاء علي الحكم بليل، يمكن أن يحكموا قبضتهم بما تيسر لهم من قوة وسلطان، فعادوا الجميع، ومدوا عداءهم إلى الخارج، واضاعوا كل الفرص التي تهيأت لهم لتوحيد الشعب السوداني، فكانت النتيجة أن توحد الجميع ضدهم في ديسمبر ٢٠١٨م، وذات اللجنة الأمنية التي شكلوها لحماية نظامهم هي التي اسقطته، وعلي رأسهم حميدتي الذي كان الرئيس البشير قد اسماه (حمايتي)
الذين ورثوا نظام الإنقاذ من قوي الحرية والتغيير كانوا اكثر غفلة وسذاجة من كل الذين مضوا، فعلي الرغم من انهم قلة لا وزن لها يذكر مقارنة بالقوي السياسية الأخري، لا سيما من الناحية الجماهيرية، فليس هناك مقارنة بينهم وبين القوي الحزبية المعارضة الأخري، ولا بينهم وبين مجموعة المؤتمر الوطني والقوي التي كانت متحالفة معه في الحكم، وبالنسبة لحركات الكفاح المسلح ناصبوا الحركات الكبيرة العداء، مثل الحركة الشعبية بقيادة مالك عقار، وحركات دارفور بقيادة جبريل ومناوي، ووالوا حركات هامشية لا وزن لها، وفي المقابل خاصموا الجيش وتحالفوا مع الدعم السريع، فدخلوا في هذه المتاهة وادخلوا معهم البلد والشعب في اضبق مما ادخل فيه الخليفة عبد الله التعابشي البلد والشعب.
وبداية العلاج لا بد من تصحيح الخطأ التاريخي، خطأ الاقصاء الذي تعود اليه كل بلاوي السودان وويلاته، ثم اذا تحدثنا بالمنطق والواقع، فإن الحرب التي قامت هذه اشعلتها قوي الحرية والتغيير، ولعل الناس يذكرون أحاديث عدد من قادة الحرية والتغيير قالوا فيها، أن البديل للنظام الاطاري هو الحرب، وحميدتي ذكر في أول خطاب له يوم ١٥ أبريل ٢٠٢٣م انه شن الحرب من أجل فرض النظام الاطاري وتطبيق الديمقراطية، وفي المقابل فإن القوي الشعبية الأساسية التي تقاتل مع القوات المسلحة من المستنفرين والمجاهدين، هم جماهير الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني، فإذا استبعدنا هؤلاء من الحوار، واستبعدنا معهم قوي الحرية والتغيير الذين يمثلون الان حاضنة سياسية للدعم السريع، ويوفرون له اغطية سياسية ومجتمعية للتحرك الداخلي والاقليمي والعالمي، فإذا استبعدنا هؤلاء وأولئك فمن يبقي يستحق أن يجلس علي طاولة الحوار.
ان الذين ينادون باقصاء الاسلاميين ومنسوبي قوي الحرية والتغيير من الحوار، يريدون أن يعيدوا ذات إنتاج الازمات المكرورة، وهؤلاء يصطادون في المياه العكرة، وهم لا خير فيهم ولا كفاية شرهم











