
قد يتسأل البعض عن أهداف مؤتمر برلين: هل هو منصة إنقاذ أم المنصة التي يُراد أن يقتسم عليها السودان؟ هنا لا ينبغي أن ننخدع باللغة المهذبة التي تُغلّف بها المؤتمرات الدولية نفسها، ولا بالعناوين اللامعة التي تتحدث عن السلام والإنسانية، وحماية المدنيين والشمول السياسي. فالقضية في السودان لم تعد مجرد خلاف على وسائل الحل، بل صارت معركة كاملة على تعريف الأزمة نفسها: هل السودان دولة تتعرض لحرب مدمرة وعدوان متعدد المستويات، أم أنه مجرد “ملف إنساني كبير تتقاسمه العواصم والمنظمات والوسطاء؟ هذا هو السؤال الذي يجعل مؤتمر برلين المزمع عقده في 15 أبريل 2026 أكثر من مجرد اجتماع دولي؛ فهو حلقة جديدة في مسار دولي متصل بدأ بباريس في 15 أبريل 2024، ثم انتقل إلى لندن في 15 أبريل 2025، قبل أن يستكمل في الاجتماع الوزاري بنيويورك في سبتمبر 2025، وها هو اليوم يعود في برلين بالجهات الراعية نفسها تقريباً، وباللغة نفسها تقريباً، وبالمنهج نفسه الذي يريد أن يدير السودان من الخارج أكثر مما يريد أن يسمع السودان من داخله. هذا التسلسل لم يعد قابلاً للإنكار؛ فقد وصفته البيانات الرسمية الأوروبية والبريطانية علناً بإعتباره مساراً متراكماً تبني فيه كل محطة على التي سبقتها.
ولذلك فإن النظر إلى برلين كحدث منفصل هو خطأ سياسي قبل أن يكون خطأ تحليلياً. لأن مؤتمر لندن في 15 أبريل 2025 لم يكن مناسبة عابرة، بل كان لحظة تأسيسية كشفت طبيعة المقاربة الدولية الجارية تجاه السودان. فقد شدد بيان الرؤساء المشاركين في لندن على سيادة السودان ووحدته واستقلاله وسلامة أراضيه، ورفض تقسيمه أو إنشاء حكومات موازية، ودعا إلى وقف إطلاق نار دائم، وإلى تمكين المدنيين وحماية المسار الإنساني. كل ذلك بدا في ظاهره منضبطاً ومقبولاً. لكن جوهر المشكلة لم يكن في اللغة المعلنة، بل في البنية السياسية التي أنتجتها مؤتمر واسع رعاته متعددون، وحساباته متضاربة، ومساحة الغموض فيه أكبر من مساحة الحسم. ولهذا خرج لندن
بلغة أخلاقية عامة، لكنه لم يخرج بإرادة سياسية قاطعة قادرة على فرض معادلة عادلة تحمي السودان وتسمي الأمور بأسمائها.
وهنا تحديداً تبدأ خطورة مؤتمر برلين. لأنه لا يأتي لتأسيس مسار جديد، بل ليرمم مساراً لم ينجح في حسم علله الأصلية. فمنذ باريس، كان التركيز المعلن إنسانياً. وفي لندن جرى توسيع المظلة لتصبحإنسانية وسياسية معاً. وفي نيويورك في سبتمبر 2025 جرى التصريح صراحة بأن الاجتماع الوزاري يبني على مؤتمري باريس ولندن مع التركيز على وقف النار، وحماية المدنيين، ورفض البنى الموازية للحكم، والتنسيق الدولي الأوسع. ثم جاء الخطاب الأوروبي في فبراير 2026 ليصف برلين بأنه خطوة أساسية” قبل المؤتمر الوزاري في 15 أبريل 2026 الذي ستستضيفه ألمانيا مع الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي وفرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة. هذه ليست صدفة تنظيمية إنها خريطة مسار كامل ومعنى ذلك أن برلين ليس مجرد قاعة اجتماعات جديدة، بل محاولة جديدة لإعادة إنتاج الإطار الذي يُراد للسودان أن يتحرك داخله.
من هنا يصبح واجبنا أن نسأل السؤال الذي يتجنبه كثيرون من يملك حق تعريف الأزمة السودانية أمام العالم ؟ إذا كان الجواب هو أن هذا الحق موزع بالتساوي بين الدولة السودانية وبين المليشيا التي حاربتها، وبين أطراف خارجية ساهمت في تغذية الحرب، وبين طبقة منتقاة من الفاعلين المدنيين الذين تختارهم العواصم الراعية، فإننا لا نكون أمام عملية سلام، بل أمام عملية إعادة هندسة سياسية تسحب فيها السيادة السودانية بالتدريج من تحت أقدام السودان نفسه. ذلك أن أخطر ما في المؤتمرات الدولية ليس أنها تهاجمك بعبارات فظة، بل أنها تفرغك من مضمونك بعبارات مهذبة. يُقال لك: “شمول”. لكن المقصود قد يكون تذويب الفارق بين
الدولة ومن حمل السلاح ضدها. ويقال لك: “عملية سياسية سودانية الملكية. لكن تصميمها، وتمثيلها ورعايتها وصياغة مخرجاتها تكون كلها خارج السودان. ويقال لك: حماية المدنيين”. لكن من دون تسمية صريحة لمن قتل المدنيين ومن سلحهم، ومن مول الحرب، ومن أبقى الباب مفتوحاً لاستمرارها.
ولذلك فإن القراءة الجادة لمؤتمر برلين لا ينبغي أن تتوقف عند سطح النصوص، بل عند سؤالين حاسمين ماذا يريد الرعاة؟ وماذا يملكون أن يفعلوا ؟ الجواب الأول أن الرعاة يريدون تثبيت إطار دولي لإدارة السودان يمنع الانهيار الكامل، ويعطي للعالم صورة أخلاقية عن نفسه، لكنه لا يقطع بالضرورة مع كل الأسباب التي أنتجت الكارثة. والجواب الثاني أنهم يملكون أدوات الضغط لكنهم لا يملكون حتى الآن إرادة موحدة لحسم التناقضات التي مزقت المقاربة السابقة. وهنا تظهر تجربة لندن مرة أخرى. فالتقارير الصحفية التي تابعت المؤتمر في لندن أشارت بوضوح إلى أن الخلافات بين بعض الأطراف العربية منعت التوصل إلى اتفاق نهائي أوسع، وأن التباين كان جوهرياً بشأن ترتيب الأولويات، لا مجرد تفصيل شكلي هذا يعني أن النظام الدولي الذي يتحدث عن السودان بصوت واحد أخلاقياً لا يتحرك بصوت واحد سياسياً والسودان هو الذي يدفع ثمن هذه الازدواجية.
ثم تأتي نقطة أكثر خطورة: إن التركيز المعلن على إشراك النساء السودانيات” و”المجتمع المدني” في التحضير لبرلين، رغم وجاهته من حيث المبدأ، يطرح سؤالاً سيادياً لا يجوز دفنه تحت المجاملة. فالردود البرلمانية البريطانية المنشورة في مارس 2026 أكدت أن اللقاءات التحضيرية وفرت منصة للنساء السودانيات للإسهام في النقاشات السابقة لمؤتمر برلين، وأن بريطانيا تعمل مع الشركاء لتنظيم
مؤتمر “شامل وذي معنى. غير أن السؤال الأهم بقي معلقاً ما موقع الدولة السودانية نفسها في هذا الترتيب؟ وهل المقصود بالشمول توسيع المشاركة الوطنية حقاً، أم إعادة تعريف السودان بوصفه حشداً من أصحاب المصلحة المتساوين، بحيث تُصبح الحكومة السودانية مجرد صوت من بين أصوات؟ هنا بالضبط يبدأ الخلل الخطير لأن التلاعب لا يبدأ دائماً من إقصاء الدولة صراحة، بل من خفض مكانتها تدريجياً داخل المعادلة حتى تفقد وزنها السيادي وهي لا تزال حاضرة شكلاً.
ولا يقل عن ذلك أهمية ما صدر عن الاتحاد الأفريقي في 30 مارس 2026 عقب لقاء رئيس مفوضيته محمود يوسف بالمبعوث الشخصي الجديد للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان. فالبيان تحدث عن تنسيق وثيق بين الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، وعن ضرورة وقف فوري لإطلاق النار وعن عملية سياسية سودانية الملكية (ownership) وشاملة، وعن مواءمة المبادرات المختلفة مع التعبير عن الأمل في أن يحقق مؤتمر برلين نتائج عملية. هذا كله يبدو معقولاً. لكن السودان جرب طويلاً مع النصوص الصحيحة التي تستخدم أحياناً لتسويق ترتيبات خاطئة. فلا يكفي أن يقول الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة إن العملية سودانية الملكية المطلوب أن تكون بنية المؤتمر نفسها سودانية الاحترام، سودانية الاعتراف بالدولة سودانية الوضوح في تسمية المليشيا والتدخل الخارجي، لا أن تتحول الملكية السودانية إلى لافتة ترفع فوق تصميم دولي مكتمل من الخارج.
وفوق ذلك كله، ينعقد برلين في لحظة إنسانية بالغة القسوة تمنح الخارج قدرة أكبر على التحدث باسم “الضرورة”. فكلما اتسع الخراب اتسعت شهية النظام الدولي لإدارة المأساة بأدواته هو. وهنا تكمن المفارقة المريرة: السودان لا يحتاج إلى مزيد من المؤتمرات التي تشرح جوعه ونزوحه ودموعه
بل يحتاج إلى مؤتمر يملك الشجاعة لتسمية بنية الحرب نفسها وهياكلها، ومن يقف وراءها، ومن يربح من إطالتها، ومن يحاول أن يحولها إلى مناسبة لإعادة توزيع السلطة من خارج الإرادة الوطنية. فإذا غابت هذه الشجاعة، فإن أي حديث عن الإنسانية سيبقى ناقصاً، بل قد يصبح أداة لتدوير الجريمة لا لإنهائها. ولهذا فإنني أقول بوضوح لا يحتمل اللبس الخطر في مؤتمر برلين ليس أن يخرج بعبارات سيئة، بل أن يخرج بعبارات جيدة تخفي وراءها ترتيبات سيئة. قد يقال: وقف فوري لإطلاق النار. لكن من دون نص ملزم على وقف التمويل والتسليح والتجنيد الخارجي للمليشيا. قد يُقال: مسار سياسي شامل. لكن من دون حسم لموقع الدولة ومؤسساتها، ومن دون اشتراط واضح لنزع السلاح والمساءلة قبل أي معادلة سياسية جديدة. قد يقال: تمكين المدنيين. لكن من خلال انتقاء مدنيين على المقاس الدولي لا على مقاس التمثيل السوداني الحقيقي. وقد يُقال: حماية وحدة السودان. لكن من دون مواجهة فعلية للقوى والسياسات التي ضربت هذه الوحدة على الأرض طوال السنوات الماضية. وعندها لا يكون المؤتمر منصة سلام، بل يصبح مائدة تفاوض على السودان، أو ما يشبه الفرصة الأخيرة لفكرة الدولة السودانية إذا لم تحسن الدفاع عن نفسها.
وهذا يفرض على السودان واجباً مضاعفاً. ليس كافياً أن نلعن المؤتمرات الدولية من بعيد، ولا أن نغضب من مفردات الخارج، ولا أن نكتفي بخطاب الشكوى والتنديد المطلوب أن ندخل معركة المعنى لا معركة الانفعال فقط أن نقول للعالم بلسان دولة تعرف نفسها: السودان ليس ساحة فراغ وليس ملف إغاثة، وليس مشروع تسوية فوقية بين رعاة متنازعين السودان دولة ذات سيادة تعرضت لحرب تريد تحطيم مركزها، وتفكيك جيشها، وإعادة هندسة سلطتها
6
ومجتمعها تحت رايات متعددة. وأي مؤتمر لا ينطلق من هذا التعريف، فهو مؤتمر ناقص بل مشبوه في منطقه مهما حسنت دیباجته
أما ما ينبغي فعله، فهو واضح إذا خرجنا من لغة الغضب إلى لغة الفعل. يجب أن تبنى جبهة دبلوماسية وإعلامية وقانونية متزامنة قبل برلين لا بعده وأن تُرسل مذكرة سيادية عاجلة إلى كل الرعاة، تؤكد أن السودان لا يقبل مساواة بين الدولة والمليشيا، ولا يقبل أي صيغة تتجاوز تمثيله السيادي الواضح، ولا يقبل وقف نار بلا وقف للدعم الخارجي. ويجب أن يذهب أي وفد سوداني – إن شارك – بنصوص مكتوبة للبيان الختامي لا بخطاب عام فضفاض، لأن من لا يكتب يكتب عنه. كما يجب تجهيز ملف إثبات مهني بالإنجليزية والعربية عن الانتهاكات وشبكات الدعم، وخريطة المصالح التي تغذي الحرب، حتى لا يبقى السودان أسير البلاغة الأخلاقية بينما خصومه وأعداؤه ينقلون المعركة إلى غرف الصياغة والضغط والتوثيق. ويجب كذلك فتح جبهة برلمانية وإعلامية في لندن وبرلين وبروكسل لفرض سؤالين بسيطين لكنهما قاتلان ما موقع الحكومة السودانية في المؤتمر؟ وأين النص الصريح على وقف التدخل الخارجي في الحرب؟ فهاتان النقطتان هما الامتحان
الحقيقي لصدقية كل ما يُقال عن السيادة ووحدة السودان.
وأقول في الختام أن مؤتمر برلين ليس قدراً، لكنه ليس تفصيلاً أيضاً. هو لحظة اختبار: هل يذهب السودان إليه باعتباره دولة تعرف ما تريد أم يُترك ليُعرف من الخارج باعتباره موضوعاً لإدارة الآخرين؟ والسؤال ليس إن كان العالم يحب السودان أو يكرهه؛ هذا سؤال عاطفي لا يكفي السؤال
السياسي الأدق هو: هل نحن مستعدون لمنع العالم من أن يعيد كتابة السودان بلغته هو ومصالحه هو وحساباته هو ؟ هنا فقط يصبح عنوان هذه اللحظة مفهوماً: هل مؤتمر برلين منصة لإنقاذ السودان، أم المنصة الأخيرة التي يُراد أن تقتسم عليها سيادته باسم السلام والإنسانية والشمول ؟ والجواب في النهاية لن تصنعه نيات الآخرين وحدها، بل مقدار ما يملكه السودان من وضوح، وصلابة، وأوراق، وخطوط حمراء.










