
وكالات _ عزة برس
بين تهديدات متبادلة واستعدادات ميدانية، يبدو أن العالم يقترب من اختبار قاسٍ لقدرة نظامه الاقتصادي على الصمود في وجه صدمة طاقة جديدة، قد تكون الأشد منذ عقود.
تهديدات متبادلة تنذر باشعال حرب الطاقة وتربك إمدادات العالمتهديدات متبادلة تنذر باشعال حرب الطاقة وتربك إمدادات العالم
واشنطن/طهران / وكالات – عزة برس
تتجه أزمة الطاقة العالمية نحو منعطف خطير مع تصاعد التهديدات المتبادلة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب وإيران، في وقت تتسع فيه رقعة التوتر لتشمل أطرافا إقليمية، من بينها جماعة الحوثي في اليمن، ما يضع أسواق النفط وسلاسل الإمداد العالمية على حافة اضطراب غير مسبوق قد يعيد العالم إلى أجواء صدمات الطاقة الكبرى.
وهدد ترامب، فجر الأحد، بضرب منشآت الطاقة الإيرانية “بدءا من أكبرها” خلال 48 ساعة، ما لم تقم طهران بفتح مضيق هرمز بشكل كامل ودون قيود. وجاء هذا التهديد في سياق تصعيد حاد، إذ اعتبر الرئيس الأميركي أن بلاده حققت أهدافها العسكرية في الحرب الدائرة منذ أواخر فبراير/شباط، في إشارة إلى العمليات المشتركة مع إسرائيل ضد إيران.
في المقابل، ردت طهران بلهجة أكثر حدة، حيث حذر المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء، إبراهيم ذو الفقاري، من أن أي استهداف للبنية التحتية للطاقة في إيران سيقابل بضرب “جميع البنى التحتية للطاقة وتكنولوجيا المعلومات وتحلية المياه” التابعة للولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة. كما أكدت القيادة العسكرية الإيرانية أن الرد لن يكون محدودا، بل سيطال كل المصالح المرتبطة بالطاقة الأميركية في الإقليم.
وتشن إيران بالفعل هجمات على منشآت للطاقة في الخليج وعلى مصالح غربية في المنطقة وتغلق جزئيا مضيق هرمز الشريان المائي الحيوي الذي يمر عبره خمس إمدادات الطاقة للعالم (20 في المئة)، إلا أن هجماتها إلى الآن لا تزال محدودة التأثير رغم ما أحدثته من اضطرابات في سلاسل الامدادات مقارنة بما يمكن أن يكون عليه الوضع في حال كثفت هجماتها على منشآت الطاقة في الخليج.
ورغم تأكيد ممثل طهران لدى المنظمة البحرية الدولية، علي موسوي، أن المضيق لا يزال مفتوحا أمام الملاحة “باستثناء السفن المرتبطة بأعداء إيران”، فإن هذا الشرط بحد ذاته يعكس واقعا جديدا، تتحول فيه حركة الطاقة العالمية إلى رهينة حسابات عسكرية وأمنية دقيقة، فالممر الذي يعبر منه نحو 20 مليون برميل نفط يوميا لم يعد مجرد شريان اقتصادي، بل أصبح ساحة اختبار للإرادات السياسية والعسكرية.
وبالتوازي، دخلت جماعة الحوثي على خط التصعيد، محذرة من أن أي توسع في الحرب سيؤدي إلى تداعيات خطيرة على سلاسل الإمداد العالمية وأسعار الطاقة. وأكدت الجماعة، التي يقودها عبدالملك الحوثي، أنها “لن تقف مكتوفة الأيدي”، وأنها مستعدة لاتخاذ “الإجراء المناسب” بما يتماشى مع تطورات المنطقة، في إشارة ضمنية إلى احتمال استهداف ممرات بحرية أو منشآت حيوية.
وهذا التداخل بين التهديدات الأميركية والإيرانية، وانخراط أطراف غير دولية مثل الحوثيين، يرسم ملامح مشهد معقد يمكن وصفه بـ”حرب الطاقة متعددة الجبهات”، حيث لا تقتصر المواجهة على الضربات العسكرية المباشرة، بل تمتد إلى التحكم في الممرات البحرية، وتهديد البنية التحتية، ورفع كلفة التأمين والشحن.
إقليميا، تبدو دول الخليج أمام معادلة شديدة الحساسية، فهي من جهة تعتمد بشكل كبير على استقرار تدفقات النفط عبر مضيق هرمز، ومن جهة أخرى تخشى من تحول أراضيها إلى ساحة ردود متبادلة، خاصة مع استهداف إيران لمصالح أميركية في بعض الدول العربية خلال الأسابيع الماضية. كما أن أي اضطراب طويل الأمد في الإمدادات قد يدفع هذه الدول إلى إعادة تقييم سياساتها الأمنية وتحالفاتها الدولية.
أما دوليا، فإن الأسواق بدأت بالفعل في استشعار الخطر، فارتفاع أسعار النفط وتكاليف التأمين على السفن ليس سوى البداية، إذ يمكن أن يؤدي أي إغلاق فعلي أو جزئي للمضيق إلى موجة تضخم عالمية جديدة، تضرب الاقتصادات المستوردة للطاقة في آسيا وأوروبا بشكل خاص.
كما أن اضطراب سلاسل الإمداد لن يقتصر على النفط، بل سيمتد إلى الغاز والسلع الأساسية، ما قد يعيد سيناريوهات الاختناقات اللوجستية التي شهدها العالم خلال اضطرابات جيوسياسية سابقة وخلال جائحة كورونا، ولكن هذه المرة ستكون الأزمة الأعنف والأكثر تأثير على جميع دول العالم.
وفي هذا السياق، يكتسب فشل واشنطن في تشكيل تحالف دولي واسع لتأمين الملاحة في المضيق دلالة خاصة، إذ يعكس ترددا دوليا في الانخراط في صراع مفتوح قد تكون كلفته الاقتصادية والسياسية باهظة. كما أن دعوة ترامب للدول المستفيدة من المضيق لتأمينه بنفسها توحي بتحول في النهج الأميركي، من دور الضامن العالمي إلى شريك يطالب الآخرين بتحمل الأعباء.
وعلى ضوء التطورات الأخيرة، تقف الأسواق العالمية أمام مشهد هش، حيث يمكن لشرارة واحدة أن تشعل سلسلة من التفاعلات المتسارعة، تبدأ بضربة لمنشأة طاقة، ولا تنتهي إلا بإعادة رسم خريطة الإمدادات العالمية. وبين تهديدات متبادلة واستعدادات ميدانية، يبدو أن العالم يقترب من اختبار قاسٍ لقدرة نظامه الاقتصادي على الصمود في وجه صدمة طاقة جديدة، قد تكون الأشد منذ عقود.











