
وكالات _ عزة برس
في قلب الصراع السوداني الدموي الذي أودى بعشرات الآلاف وشرّد الملايين، تعمل شبكة مصرفية معقدة تربط بين أبراج أبوظبي اللامعة والخرطوم المدمرة. وثائق بنكية مسربة وتحقيقات دولية تكشف كيف تحولت المصارف الإماراتية إلى شريان مالي يغذي قوات الدعم السريع، محولة المؤسسات المالية الإسلامية إلى أدوات لإطالة أمد واحدة من أكثر الحروب الأهلية دموية في القرن الـ 21.
إذ لم يكن توسع أبوظبي في السيطرة على القطاع المصرفي السوداني مجرد استثمار عابر، بل خطة استراتيجية امتدت على مدار عقدين، استغلت فيها الإمارات الأزمات السياسية والاقتصادية لتعزيز النفوذ والسيطرة على الشريان المالي للبلاد.
وفقاً لوثائق بنكية حصلت عليها منظمة «غلوبال ويتنس» المعنية بمكافحة الفساد، تدفق 50 مليون درهم إماراتي 13.6 مليون دولار من قوات الدعم السريع إلى شركة ترادايف للتجارة العامة المسجلة في أبوظبي على أربع دفعات في أبريل ويوليو 2019، في ما يمثل نموذجاً واضحاً لآلة التمويل الخفية التي تدير الحرب. هذه الشبكة المالية التي تمتد من أبوظبي إلى الخرطوم لا تقتصر على شركة واحدة، بل تشمل منظومة بنكية كاملة استحوذت عليها الإمارات على مدى عقدين من الزمن.
خطة العقدين
لم يكن الاستحواذ الإماراتي على القطاع المصرفي السوداني وليد الصدفة أو مجرد فرص استثمارية عابرة، بل كان جزءاً من استراتيجية محكمة امتدت على مدى عقدين كاملين، استغلت فيها أبوظبي ودبي كل أزمة سياسية واقتصادية مرت بها الخرطوم لتعزيز سيطرتها على الشريان المالي للبلاد.
بدأت الخطة في ظروف استثنائية. ففي منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة، كان السودان يرزح تحت وطأة عقوبات دولية خانقة فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على نظام عمر البشير بسبب أزمة دارفور وعلاقاته مع التنظيمات المتطرفة. البنوك الغربية أغلقت أبوابها أمام الخرطوم، والمؤسسات المالية الدولية قطعت علاقاتها مع البلاد، مما ترك فراغاً هائلاً في القطاع المصرفي السوداني.
استغلال الظروف
في هذه اللحظة بالذات، تقدمت الإمارات بعروضها «السخية». بحسب التقارير المالية الرسمية، في عام 2005، باعت الحكومة السودانية 60% من أسهم بنك الخرطوم، أكبر وأقدم بنك في السودان إلى بنك دبي الإسلامي (Human Rights Research). لم تكن مجرد صفقة تجارية، بل كانت نقطة الانطلاق لمشروع سيطرة استراتيجية طويلة المدى. بنك الخرطوم، الذي تأسس عام 1913 في عهد الاستعمار البريطاني، كان يمثل رمزاً للسيادة المالية السودانية، لكنه تحول في غضون عقد إلى أداة في يد القوى الإقليمية.
الصفقة لم تكن الوحيدة. فبعد عام واحد فقط، وفقاً لتقارير رويترز، وقعت شركة إعمار العقارية في دبي وبنك السلام على صفقة للاستحواذ على 60% من أسهم بنك النيلين الصناعي للتنمية مقابل 80 مليون دولار (Wikipedia). كانت الرسالة واضحة: الإمارات لم تأت لشراء بنك واحد، بل لإعادة رسم خريطة القطاع المصرفي السوداني بأكمله.
إعادة الهيكلة
النمط كان متشابهاً في كل صفقة: استهداف البنوك الكبرى والعريقة، تقديم سيولة نقدية فورية لحكومة تعاني من ضائقة مالية حادة، والحصول في المقابل على حصص مسيطرة تتجاوز 60% في معظم الحالات. ثم تأتي المرحلة الثانية: إعادة الهيكلة، تعيين مديرين تنفيذيين موالين، وربط هذه البنوك بالشبكة المصرفية الإماراتية الأوسع.
بحسب ما أوردته سجلات البورصة السودانية، في عام 2008 اندمج بنك الخرطوم مع بنك الإمارات والسودان، ليصبح بنك دبي الإسلامي يمتلك 28.4% من أسهمه بشكل مباشر، إضافة إلى حصص غير مباشرة عبر شركات تابعة. هذا الاندماج لم يكن مجرد عملية إدارية، بل كان توحيداً للسيطرة تحت مظلة واحدة، مما سمح لدبي بالتحكم في أكبر مؤسسة مصرفية سودانية من خلال شبكة معقدة من الملكيات المتداخلة.
في عام 2012، جاءت الخطوة الأكثر جرأة. فوفقاً لبيانات البنك المركزي السوداني، افتتح بنك أبوظبي الإسلامي أول فرع أجنبي له في الخرطوم، في خطوة كانت تعني أن الإمارات لم تعد تكتفي بالسيطرة على البنوك السودانية القائمة، بل أصبحت تعمل مباشرة داخل السوق المحلي. كان هذا الفرع بمثابة رأس حربة للتوسع الإماراتي، حيث وفر قناة مباشرة لتدفق الأموال والاستثمارات الإماراتية إلى السودان، دون الحاجة لوسطاء محليين.
شركات الظل
لكن اللحظة الحاسمة في هذه الاستراتيجية جاءت مع صعود قوات الدعم السريع كقوة عسكرية واقتصادية موازية للدولة. في قلب المنظومة المصرفية التي بنتها الإمارات على مدى عقدين، تعمل شبكة معقدة من الشركات الوهمية التي تربط بين البنوك الإماراتية وقوات الدعم السريع بخيوط مالية شبه مرئية.
وفقاً لتحقيق منظمة «غلوبال ويتنس»، تمتلك قوات الدعم السريع حساباً باسمها في البنك الوطني لأبوظبي الذي أصبح الآن جزءاً من بنك أبوظبي الأول، في دليل واضح على الاستقلال المالي للميليشيا عن الجيش السوداني حتى قبل اندلاع الحرب بسنوات. هذا الحساب لم يكن مجرد خدمة مصرفية، بل كان اعترافاً ضمنياً باستقلالية الدعم السريع المالية عن الدولة السودانية، واستعداداً لدور أكبر ستلعبه الميليشيا في المستقبل.
بحسب معلومات حصلت عليها المنظمة من دائرة التنمية الاقتصادية في دبي، فإن الجوني حمدان داقلو، شقيق حميدتي، هو المدير والمالك المستفيد النهائي لشركة ترادايف. هذه الشركة التي تحمل اسماً عادياً ومقراً في منطقة تجارية نموذجية في دبي، تحولت إلى قناة رئيسية لتدوير الأموال بين الإمارات والسودان. وفقاً للوثائق البنكية المسربة، دفعت ترادايف 48 مليون درهم لقوات الدعم السريع في يوليو 2019، وفي إحدى الوثائق البنكية وُصف الغرض من التحويل بعبارة غامضة: «تحويل إلى شركة شقيقة»، في محاولة لإضفاء شرعية ظاهرية على المعاملة.
حسابات الدعم السريع في أبوظبي
المصادر تؤكد أن شركة ترادايف نفسها تمتلك حساباً في بنك النيلين السوداني في أبوظبي، الذي يُستخدم لتسهيل التحويلات المالية لقوات الدعم السريع. هذا النمط من التحويلات المتقاطعة بين البنوك والشركات الوهمية يصعّب تتبع مسار الأموال بشكل مقصود، ويمنح الميليشيا غطاء قانونياً ظاهرياً لعملياتها المالية، حيث تبدو كل معاملة على حدة وكأنها تحويل تجاري عادي بين شركات شقيقة. البنوك الإماراتية التي استُحوذ عليها على مدى عقدين أصبحت الآن أدوات لتمويل الحرب.
ووفقا لنفس المصدر أظهرت الوثائق صلة حميدتي قائد الدعم السريع بمجموعة الجنيد الصناعية، وهي واحدة من أكبر شركات الذهب في السودان. الوثيقة تكشف عن شبكة معقدة من الملكيات المتداخلة تربط قائد الميليشيا بإمبراطورية تعدين ضخمة تمتد من دارفور إلى النيل الأزرق. ومن ثم إلى أبوظبي.
المركبات القاتلة
لكن الأموال لا تبقى أرقاماً على شاشات الكمبيوتر في البنوك. وفقاً لسجل الدفعات المسرب الذي حصلت عليه «غلوبال ويتنس»، تلقت قوات الدعم السريع أكثر من 150 مليون درهم إماراتي «للدعم التقني»، واستخدمت أكثر من 111 مليون درهم منها لشراء المركبات ومعدات الاتصالات من تجار ووشركات ومعارض سيارات في في أبوظبي. هذه المركبات تخرج من موانئ أبوظبي على أنها سيارات دفع رباعي ثم يتم تحويلها إلى مركبات عسكرية مسلحة تجوب شوارع الخرطوم وأم درمان ودارفور، مزودة برشاشات ثقيلة ومدافع مضادة للطائرات.
لتكون الدورة كاملة: من حساب بنكي في أبوظبي، إلى معرض سيارات في دبي، إلى ميناء بورتسودان، ثم إلى ورشة تحويل في مناطق سيطرة الدعم السريع، لتنتهي كمركبة قتالية تقصف الأحياء السكنية. المدة الزمنية بين التحويل البنكي وإطلاق الرصاص من المركبات بضعة أسابيع فقط.
معدات الاتصالات التي اشتريت بنفس الأموال لعبت دوراً محورياً في تنسيق الهجمات وإدارة العمليات العسكرية. شبكات الاتصال المشفرة التي تربط قادة الميليشيا من الخرطوم إلى الفاشر، مروراً بالجنينة ونيالا، كلها اشتريت من موردين في دبي، ودُفعت قيمتها عبر تحويلات بنكية من حسابات في أبوظبي.
الأكثر مرارة
خطة أبوظبي التي استغرقت عقدين نجحت في تحويل السودان إلى حالة من التبعية المالية شبه الكاملة. عندما اندلعت الحرب، كانت الإمارات تتحكم فعلياً في البنية التحتية المالية للبلاد، مما منحها القدرة على تمويل الحرب من خلال قنوات «شرعية» ظاهرياً.
في كل معاملة بنكية بين أبوظبي والدعم السريع، يُسفك دم سوداني جديد. الذهب الذي يُستخرج من دارفور يعود رصاصاً، والدرهم الإماراتي يتحول إلى قذيفة تخترق البيوت.
المفارقة الأكثر مرارة أن كل هذا ينفذ باسم «المصرفية الإسلامية» التي تحرّم الفائدة الربوية لكنها تجيز تمويل الحروب وقتل السودانيين.
آخر تحديث 20:10 السبت 14 فبراير 2026 – 26 شعبان 1447 هـ
مقالات مشابهة
بريطانيا متفائلة باستمرار مشروع Typhoon مع السعودية رغم صفقة F-35
لا تزال شركة «بي إيه إي سيستمز» البريطانية لصناعة الطائرات واثقة من أن السعودية ستقدم طلبية متابعة طال انتظارها لطائرات «يوروفايتر…
الوطن السعودية











