شىء للوطن.. م.صلاح غريبة يكتب : اليوم الدولي لأمنا الأرض: “قوتنا.. كوكبنا”.. نداء ملح للعمل المشترك

في الثاني والعشرين من أبريل من كل عام، تتوقف عجلة الحياة قليلاً لننصت إلى صوت كوكبنا، نحتفل باليوم الدولي لأمنا الأرض، هذه المناسبة التي تتجاوز مجرد الاحتفال لتصبح وقفة تأمل ومساءلة أمام حجم التحديات البيئية التي تهدد وجودنا ووجود الأجيال القادمة. هذا العام، يأتي شعار الاحتفال “قوتنا.. كوكبنا” ليؤكد على حقيقة دامغة: قوتنا كبشر تكمن في قدرتنا على حماية هذا الكوكب الذي هو بيتنا الوحيد.
إن الرسائل التي تبعثها إلينا أمنا الأرض لم تعد همسات خافتة، بل صرخات استغاثة مدوية. الطبيعة تتدهور أمام أعيننا، البحار تختنق بالبلاستيك وتزداد حموضة وملوحة، بينما تجتاح الحرائق والغابات وتفيض الأنهار، مخلفة وراءها مجتمعات مهجرة وملايين المتضررين. ارتفاع درجات الحرارة القياسي، تفشي الفيروسات الفتاكة، الأعاصير المدمرة، كلها مؤشرات واضحة على أننا تجاوزنا الخطوط الحمراء في تعاملنا مع كوكبنا.
لقد آن الأوان أن نعترف بـ “الجرائم” التي نرتكبها بحق هذا الكوكب، جرائم تعطل التنوع البيولوجي من خلال إزالة الغابات بلا هوادة والصيد الجائر، مما يسرع وتيرة تغير المناخ ويدمر النسيج الحيوي الذي يحافظ على استقرار كوكبنا. إن تغير المناخ، والتغييرات التي يحدثها الإنسان في الطبيعة، بالإضافة إلى تدمير الموائل الطبيعية والزراعة المكثفة والتجارة غير المشروعة في الأحياء البرية، كلها عوامل متضافرة تدفع كوكبنا نحو الهاوية.
من هنا، تأتي أهمية اليوم الدولي لأمنا الأرض كمناسبة سنوية لتذكيرنا بمسؤوليتنا الجماعية تجاه هذا الكوكب. إنه يوم لرفع الوعي بأهمية البيئة الطبيعية، وللتأكيد على ضرورة حمايتها والحفاظ على سلامتها من أجل حاضرنا ومستقبل أجيالنا القادمة. إنه احتفال بالهواء الذي نتنفسه، والماء الذي نشربه، والطعام الذي نأكله، وكل ما يحيط بنا ويشكل حياتنا.
لقد بدأت هذه الفكرة النبيلة من الولايات المتحدة الأمريكية، لتتوسع وتصبح حركة عالمية تجسدت في قرار الأمم المتحدة عام 2009 بالاحتفال بهذا اليوم. ومنذ ذلك الحين، تضافرت الجهود الدولية، وتأسست المنظمات، وعقدت المؤتمرات، بدءًا من كيوتو ووصولًا إلى باريس، لوضع قواعد ملزمة للحد من الانبعاثات وحماية البيئة.
إن مصطلح “أمنا الأرض” يحمل في طياته معاني عميقة من التعاطف والمسؤولية. إنه يجعلنا نشعر بالذنب تجاه هذا الكوكب الذي يحضننا ويوفر لنا سبل الحياة، بينما نسارع نحن إلى تدمير نظامه البيئي. هذا اليوم هو فرصة حقيقية للتصالح مع الطبيعة، والاعتراف بأن استعادة توازن النظم البيئية هو السبيل الوحيد لوقف هذا التدهور.
وكما تؤكد الأمم المتحدة، فإن “أمنا الأرض بحاجة إلى التحول إلى اقتصاد أكثر استدامة يعمل لنفع الناس والكوكب”. هذا التحول يعزز الانسجام مع الطبيعة، ويحد من الاحتباس الحراري، ويحمي التنوع البيولوجي٦ المهدد بالانقراض. إن النظم البيئية الصحية والمتوازنة هي أساس كل أشكال الحياة على الأرض، والعالم بحاجة ماسة إلى مكافحة تغير المناخ بقوة أكبر للحفاظ على كوكبنا صالحًا للسكن.
لا يمكننا أن نتجاهل الدور السلبي الذي لعبه التقدم الصناعي في تفاقم الأزمة البيئية. فبقدر ما ساهم في تحسين مستويات المعيشة، فقد خلف وراءه أضرارًا جسيمة من تلوث وفقدان الموارد وانقراض الكائنات الحية. لقد حذر الخبراء من أن استمرار فشلنا في حماية البيئة سيؤدي حتمًا إلى عواقب وخيمة.
في هذا السياق، يبرز السؤال: كيف يمكن لدولة مثل السودان، التي تمر بظروف حرب قاسية، أن يساهم في إنقاذ الكون؟ قد يبدو السؤال للوهلة الأولى بعيد المنال، لكن في الحقيقة، حتى في ظل أصعب الظروف، هناك مساحات للتعاون والمساهمة.
أولاً، على الصعيد التوعوي، يمكن للمحتوى الإعلامي، حتى المتاح في ظل الحرب، أن يلعب دورًا حاسمًا في نشر الوعي بأهمية الحفاظ على البيئة والموارد الطبيعية المتبقية. التركيز على الممارسات المستدامة على المستوى المحلي، مثل ترشيد استهلاك المياه والطاقة، وإدارة النفايات بشكل سليم، يمكن أن يحدث فرقًا ملموسًا على المدى الطويل.
ثانياً، على صعيد التعاون الإقليمي والدولي، يمكن للسودان، بمجرد استقرار الأوضاع، أن ينخرط بفعالية في المبادرات البيئية الإقليمية والدولية. يمكنه تبادل الخبرات والمعرفة مع الدول الأخرى حول التحديات البيئية المشتركة، والسعي للحصول على الدعم التقني والمالي لتنفيذ مشاريع تهدف إلى حماية البيئة واستعادة النظم الإيكولوجية المتضررة.
ثالثاً، حتى في ظل الحرب، يمكن للمجتمعات المحلية أن تلعب دورًا حيويًا في حماية الموارد الطبيعية المتاحة. الحفاظ على الغابات المتبقية، وتجنب الصيد الجائر، وإدارة الموارد المائية بحكمة، كلها خطوات عملية يمكن اتخاذها على المستوى المحلي للمساهمة في الحفاظ على البيئة.
إن شعار هذا العام “قوتنا.. كوكبنا” يحمل رسالة أمل وقوة. إنه تذكير بأننا نمتلك القدرة الجماعية على إحداث التغيير المطلوب. إنها دعوة للعمل والابتكار، ولترسيخ تحالف عالمي يضم الشركات والحكومات والمواطنين، فجميعنا ممثلون وجميعنا مسؤولون عن مصير هذا الكوكب.
في يوم الأرض هذا العام، يجب أن نجدد التزامنا بحماية كوكبنا، وأن نترجم هذا الالتزام إلى أفعال ملموسة على كافة المستويات. قوتنا تكمن في وحدتنا وفي إدراكنا بأن مصيرنا جميعًا مرتبط بمصير هذا الكوكب الذي هو بيتنا الوحيد. فلنجعل من هذا اليوم نقطة انطلاق نحو مستقبل أكثر استدامة وازدهارًا لنا ولأجيالنا القادمة.










