القــــاتل الخـــفــي!.. قصة بوليسية مشوقة من صفحة (الكمــــــين) التي يحررها الصحفي محمد أزهري بصحيفة (السوداني) كل سبت
.
1
لاح فجر يوم جديد، علت أصوات المساجد، خرج المداومون على صلاة الفجر، صوب بيوت الله، في تلك المنطقة (جنوب الخرطوم)، بدأ الناس يهمون بالخروج باكراً للعمل، كثير منهم يخرج (على باب الله)، طلباً للرزق، غير أن واحداً من هؤلاء المواطنين كانت بداية يومه مختلفة بل مشؤومة سوداء اللون رغم ضوء الشمس الذي بدأ يضرب الأرض.
*2*
عند مدخل إحدى الغرف داخل منزل يقع في حي (مايو)، عثر الرجل البالغ من العمر 41 عاماً على شقيقته ملقاة على الأرض بين الحياة والموت، ترقد على عازل صنعته دماؤها بينها وسطح الأرض، حبال صوتها تعطلت جراء صرخات عاليات أطلقتها لحظة الاعتداء عليها، من شخص حتى العثور عليها مجهول بالنسبة لشقيقها، وبقية أفراد الأسرة، هموا بنقلها إلى مستشفى ولم يك أقرب من بشائر في تلك المنطقة، شقيقها حاول استنطاقها لمعرفة الجاني لكنه فشل في الحصول على كلمة تفكك الغموض وتبدد جبال التفكير في حال وفاتها، بل بالفعل (ماتت)، قبل وصولهم المستشفى فارقت شقيقته الحياة، هذا ما أكده الأطباء وأسلم به من نقلوها، بالطبع تغير الوضع من الخوف على حياة ابنتهم إلى التفكير المؤلم في من هو (الجاني)، الذي قتل ابنتهم، وأطلق البعض الأسئلة جهراً وسراً عن الدوافع والأسباب، استرجع الأقربين حياة الضحية، بحثاً عن خلافات أو عداوات مع آخرين علهم يجدوا مستفيداً من قتلها، الكل وقع في جُب الحيرة، بدأوا يهمسون (هل تسلل لص إلى المنزل، هل هناك مقتنيات مفقودة؟)، لا أحد يجد إجابة في تلك اللحظة، الكل يتلقى التعازي بعضهم يذرف الدموع وآخرون كلحت وجوههم من شدة الحزن وارتفاع درجات الحرارة، بعض أفراد الأسرة لم يحضروا لأسباب عديدة منها فجائية الحادثة، من بين الذين لم يحضروا إلى المستشفى والمشرحة لمتابعة الإجراءات أحد أشقاء الضحية، هذا الشقيق كان محكوماً بالسجن عشر سنوات لكنه حصل على عفو من مجلس السيادة ضمن الذين أطلق سراحهم بسبب جائحة كورونا العام الماضي.
*3*
جثمان الضحية انتقل من عنابر المستشفى إلى الجهة الغربية داخل سورها حيث تقع مشرحة بشائر، داخل طاولة التشريح استبان للأطباء أنها تعرضت لعمليات اعتداء متكرر بواسطة آلة صلبة (عصاة)، وطعنات بآلة حادة (سكين)، النيابة عدلت البلاغ من الأذى الجسيم إلى القتل العمد، ليتسنى للشرطة العمل على كشف الغموض الذي يحيك بالجريمة وتوقيف الجاني، الشرطة تولت الأمر بعد أن أصبح البلاغ في دفاترها قتل عمد، الأمر يبدو شائكاً بعض الشيء إذ لا دليل أو شاهد، يرشد على الجاني، فهناك ضحية ماثلة بجثتها أمام العدالة دون مشتبهين أو جناة، مسرح الجريمة (المنزل) كان الأمل الوحيد مبدئياً لكن سرعان ما خاب ذلكم الأمل، لعدم وجود متعلقات تركها الجاني، بحث فريق الأدلة الجنائية عن خيط أولي يتلمس عبره فريق البحث خطاه، لم يجده، إشارات مسرح الحادث فسرت بعض صفات الجاني، لدى المحققين، بأنه (معتاد)، أو على الأقل له دراية بإخفاء جرائمه بصورة تدل على خبرة جنائية إن لم تك في القتل فإن صاحبها متمرس على التعامل مع القانون كمتهم سابق في قضايا جنائية مهدت له كيف يخفي معالم جريمته الماثلة أمامنا.
*4*
قُبر جثمان الضحية، ولم تُقبر الجريمة، اجتمع ذووها وتداعى على صيوان عزائها كل من استطاع من المعارف، فقد كثير من ذويها شقيقها مُطلق السراح ولم يجدوه ليؤدوا معه واجب العزاء، ظل غيابه واضحاً، دون تفسير، بدأ شقيقها الشاكي يطارد الشرطة لمعرفة (الجديد) حول من قتل شقيقته، الشرطة نفسها لم تجد إجابة مقنعة لكنها تطمئنه بكلمة (شغالين كويس)، الحادثة أدخلت الرعب في نفوس أفراد العائلة، خوفاً من عودة القاتل المجهول مستهدفاً أحدهم لأن الجريمة يتضح دافعها مع غموضها الأسود.
خيالات البعض في تلك المنطقة مدعمة بما يسود في العاصمة الخرطوم هذه الأيام من قتل ونهب لأسباب بسيطة، سافرت بهم إلى عوالم مرعبة يتسيدها مشهد (القاتل الخفي)، كلما مضى يوم دون القبض على الجاني زاد الخوف لدى آخرين قريبين من الواقعة.
*5*
الجريمة حسب طابعها الغامض، أخذت منحى آخر في التحقيق والبحث، الشرطة رفعت درجة البحث بوضع الملف أمام مباحث الخرطوم الفيدرالية، فهي متخصصة إلى جانب المباحث الجنائية في كشف غموض مثل هذه الجرائم، فريق من شعبة عمليات الخرطوم الفيدرالية أو ما يسمى بشعبة (مايو الشاحنات)، انخرط في عمليات بحث ميدانية، انتشر أفراده حول المنطقة، بدأوا بجمع المعلومات عن الضحية ومن ثم أفراد أسرتها توغلوا في محيط العلاقة بينها وبعض أفراد عائلتها، رصدوا تحركات اللصوص في تلك الليلة، وقفوا على حجم السرقات، تواصلوا مع معتادي إجرام متخصصين في النهب والسرقة، أوقفوا بعضهم للتحقيق، عاد الفريق إلى مقره ليحصد ثمار ما جمع من معلومات، بعد تنقيحها ومزاوجتها وتحليلها.
*6*
الفريق حصل على نتيجة أولية تبدو مشجة بعض الشيء للمضي قدماً في تدعيمها، لاحظوا أن للضحية شقيق كان محكوماً وأطلق سراحه العام الماضي، وهذا لم يكن محل الأهمية، بحثوا عن تفاصيل حياته وأسباب دخوله السجن، توصلوا إلى أنه كان (معتاد) إجرام، حتى هذه المعلومة لم تك هي المحور الأساسي، لكن ربما تلك السوابق مقرونة بغياب بل اختفاء الشقيق من المنزل منذ لحظة الحادثة قذف به مبدئياً في دائرة الاشتباه، رغم صلة الدم بين المشتبه والضحية لكن بالضرورة أن يتوقع المحققون أية نتيجة ولا يستبعدون شيئاً، لأن معظم الجرائم حملت في طياتها مفاجآت كبرى.
*7*
انطلق التحقيق من محور جديد، بدأ أكثر ضيقاً، وبالتالي أتاح لفريق البحث التحرك في دائرة جنائية محدودة، في كل الأحوال عمليات البحث عن مشتبه به له سوابق جنائية مشهودة تبدو أكثر صعوبة من غيره، هذا ما واجه فرق البحث الخاصة بالفيدرالية، مضت أيام والجريمة غامضة، المعلومات عن شقيق الضحية المختفي لم تكن كافية لوضعه متهماً لذلك ظل الفريق يعمل في محور آخر له علاقة بمشتبه بهم آخرين، في خضم الغموض وسريان الوقت، نجح الفريق في القبض على شقيق الضحية، أخضع للتحقيق الدقيق، ضيق الخناق عليه، لم يقدم تبريرا منطقيا لاختفائه المريب منذ يوم الحادثة، آخيراً انهار وأقر .. أقر بأنه (القاتل الخفي)، لشقيقته، وقال إنه اعتدى عليها بعصاة ثم سدد لها طعنة بالسكين، دعم إقراره بإرشاد الشرطة على أداتي الجريمة (العصاة والسكين) إذ أخفاهما في منطقة قريبة من موقع الجريمة، ووجدتا تحملان دماء بشرية أرسلتا إلى المعامل الجنائية مع عينة من الجثة لتعضيد الاتهام.
*8*
المتهم بعد توقيفه تبين أنه من معتادي الإجرام كان قد حكم عليه بالسجن عشر سنوات وقبل قضائها أطلق سراحه في مبادرة المجلس السيادي لإطلاق سراح المحكومين في الحق العام إبان جائحة كورونا.
دفع المتهم في التحقيق بأسباب (خلافات) بينه والضحية جعلته يزهق روحها.
*السوداني السبت ٢٧/٣/٢٠٢١*










