رَمَوْا مِلْيُونَ أَرْنَبٍ فِي الصَّحْرَاءِ عُقُولٌ مُبْدِعَةٌ، وَلَيْسَتْ سَاسَةً حَرَامِيَّةً بقلم: الصفر البارد

في بعض دول العالم الثالث، يتسابق الساسة والأحزاب ( وهم اغلبية بكل اسف في تلك الدول ) إلى المناصب الدستورية ليس من أجل الإبداع أو الإنتاج، بل من أجل أن ينال كل منهم نصيب الأسد من الناتج القومي للدولة، سواء جاع الشعب أم فقدت بلادهم التنمية أو البنية التحتية. فلا فرق بين سياسي (غبي وجاهل حتى لو كان يحمل أعلى الدرجات العلمية) وبين عامل مبدع يريد لبلاده النمو والازدهار ويصنع المستحيل من أجل بلاده وشعبه. وإليكم الصدمة التالية:-
– القصة لا تتعلق بإلقاء الحيوانات عشوائياً في الرمال، بل تتعلق بمشروع طموح في صحراء كوبوكي (Kubuqi) شمال الصين، حيث حُوِّل “بحر الموت” إلى واحة خضراء تنبض بالحياة، تضم اليوم أكثر من 30 مليون شجرة وأصبحت موطناً لصناعة اقتصادية مبتكرة قائمة على الأرانب.
– من “بحر الموت” إلى أرض الفرص:-
كانت صحراء كوبوكي، التي تقع في منعطف النهر الأصفر بولاية أوردوس الداخلية، تُعتبر سابع أكبر صحراء في الصين، وكانت تُعرف باسم “بحر الموت” حتى بالنسبة للطيور. منذ حوالي ثلاثة عقود، لم تكن هناك حياة تذكر فيها، وكانت العواصف الرملية المنبعثة منها تضرب العاصمة بكين. لكن اليوم، تغير كل شيء. من خلال جهود متواصلة، تمت معالجة حوالي 40% من مساحة الصحراء البالغة 18,100 كيلومتر مربع، وتم دفع حدود الرمال إلى الوراء بعشرات الكيلومترات.
– العنوان المثير الذي تحدث عن “مليون أرنب” هو في الحقيقة تحريف لطريقة ذكية ومبتكرة في التعامل مع الطبيعة. فبدلاً من مجرد غرس الأشجار التي كانت نسبة نجاحها لا تتجاوز 20% في الماضي، طور الخبراء نموذج “الطاقة البيئية” الذي جمع بين استصلاح الأراضي وإقامة مشاريع اقتصادية.
– الأرانب التي صنعت المعجزة:-
في قلب صحراء كوبوكي، وبالتحديد في منطقة “فينغ شوي ليانغ” (Fengshuiliang)، تم إنشاء أكبر قاعدة لتربية أرانب الريكس (Rex rabbit) في آسيا. لكن ما علاقة الأرانب بالتشجير؟
– انها دورة بيئية متكاملة: تمتلك أرانب الريكس قدرة فائقة على التكيف مع البيئة الجافة. تم تغذيتها على أغصان نبات “الصفصاف الرملي”، وهو نبات محلي يُزرع لتثبيت الكثبان الرملية. فعض الأرانب لهذه الأغصان يحفز النبات على النمو بشكل أفضل، ويمنعه من الموت بعد بضع سنوات.
– السماد الطبيعي: مخلفات الأرانب تحولت إلى سماد عضوي غني، أدى إلى رفع نسبة خصوبة التربة الرملية القاحلة.
– النتيجة:-
وفقاً للبيانات، في المناطق التي تم فيها دمج تربية الأرانب مع زراعة الصفصاف الرملي، قفزت نسبة نجاح النباتات من 65% إلى 96%.
– لم تكن الأرانب مجرد أداة لتحسين التربة، بل كانت حجر الزاوية في ثورة اقتصادية. أظهرت الإحصائيات أن كل أسرة محلية شاركت في المشروع تمكنت من تحقيق دخل سنوي يتراوح بين 5 إلى 8 آلاف دولار من بيع الفراء واللحوم، مما حوَّل سكان المناطق الفقيرة إلى رواد أعمال. اليوم، تشير بعض المصادر إلى أن المنطقة قادرة على إنتاج ما يصل إلى 5 ملايين أرنب سنوياً في ذروة المشروع، مما دفع عجلة التنمية بقوة.
– أكثر من مجرد أشجار: 30 مليون شجرة وجدار عظيم من الطاقة
النتيجة النهائية لهذا المزيج الذكي هي تحول جذري في المشهد البيئي. تمكنت الصين من زراعة أكثر من 30 مليون شجرة في هذه الصحراء، مما أسهم في تقليل كمية الرمال المتدفقة إلى النهر الأصفر (الأم الصينية) من 27 مليون طن إلى حوالي 18 مليون طن فقط.
– ولكن القصة لا تتوقف عند الأشجار والأرانب فقط. فإلى جانب “السور الأخضر” الذي يبلغ طوله 420 كيلومتراً، بنت الصين “جداراً عظيماً ضوئياً” (Photovoltaic Great Wall). هذا الجدار من الألواح الشمسية، الذي يمتد على مساحة 400 كيلومتر، يولد الكهرباء النظيفة. والأهم أن هذه الألواح توفر الظل، مما يقلل من تبخر المياه ويخلق مناخاً محلياً مناسباً لنمو الأعشاب والنباتات، التي بدورها تغذي الأرانب.
– هذا النموذج المبتكر جعل من صحراء كوبوكي نموذجاً عالمياً يُدرَّس. في عام 2015، فاز المجتمع المحلي في كوبوكي بجائزة “أبطال الأرض”، وهي أعلى جائزة بيئية تمنحها الأمم المتحدة. لقد أثبت المشروع أن الصحراء ليست عدواً يجب محاربته، بل هي مورد يمكن استثماره بالعلم والإرادة. من “رمي الأرانب” عبثاً إلى بناء اقتصاد دائري متكامل، أثبتت الصين أن اللون الأخضر هو مستقبل الكوكب.
– آخر المداد:-
على كل شخص في بعض دول العالم الثالث أن يبحث في بلاده: هل هنالك مبدعون أم هنالك سياسيون يتسابقون على الكراسي من أجل السلطة والمال؟ وأين هي نتائج وإنجازات هؤلاء الساسة الذين يطلقون على أنفسهم عبارة “سياسي مخضرم” (وهو فعلاً مخضرم في سرقة أموال الشعوب، وهذا قمة إنجازاته). والعيب ليس فيهم، ولكن العيب في الشعب الذي يمنح صوته مرات ومرات متعددة لمن لا يقدم لهم ولو إنجازاً واحداً. والفاشل لا يتكرر في الحكم إلا عبر شعب فاشل مثله. فالقول: ( كما تكونوا يولى عليكم ) هو كلمة حق.
فستذكرون ما أقول لكم وافوض امري الي الله. أن الله بصير بالعباد











