
تأملات
جمال عنقرة
كثيرون يتحدثون الآن عن مسار شرق السودان الذي تم توقيعه في جوبا بين الحكومة وبين بعض حركات منسوبة لشرق السودان ضمن سلام جوبا الأخير، ويجعلون منه محورا لقضية الشرق، فبعضهم يري أن الحل يكون بانفاذ هذا الإتفاق كاملا، ويري آخرون أن الحل في تجاوزه تجاوزا كاملا، وفي تقديري أن كلا الرأيين فيهما تجاوز كامل للأزمة الحقيقية التي يعيشها شرق السودان، فالأزمة ليست في مسار الشرق الذي تم توقيعه في جوبا، وإنما الأزمة تكمن في خروج قضية الشرق عن كل مساراتها الطبيعية والتاريخية والمنطقية، وكنت قد أشرت إلى بعض ذلك في مقالات سابقة.
أولا علي المستوي السياسي فشرق السودان ليس وحده الذي تتعدد فيه الحركات والقوي المحلية السياسية والمطلبية، فمثلما توجد حركات كثيرة في الشرق توجد مثلها في دارفور مثلا، ولعل دارفور هي النموذج الأقرب لشرق السودان في تعدد الحركات، ولكن بينما تصارع كل حركات دارفور الحكومات المركزية مطالبة بحقوق للمنطقة، فإن حركات الشرق تتصارع فيما بينها من أجل تمثيل المنطقة، وليس من أجل حقوق المنطقة وأهلها، وكان من تداعيات ذلك السالبة فقدان المنطقة لكثير من الحقوق بسبب الخلاف حول من يمثل الشرق، فمثلا الآن ولاية كسلا لها نحو عام بلا والي، بسبب خلاف مكونات الشرق علي آخر والي تم تعيينه، السيد صالح عمار، والآن لم يتم اختيار ممثلين لشرق السودان في مجلس شركاء الحكم بسبب الخلاف حول مسار الشرق، وهذا أقرب مثال لخسارة الشرق بسبب خلاف قواه فيما بينها، وليس بينها وبين الحكومة المركزية.
أما علي المستوي المجتمعي والأهلي، فالشرق وحده حدث فيه تداخل مخل بين السياسي والقبلي، حتى صار ذلك مهددا لضرب وحدة وتماسك النسيج الإجتماعي في شرق السودان، بل قد يقود إلى أسوأ من ذلك لو ترك هذا الحال علي ما هو عليه، لا سيما في ظل ضعف وعدم رؤية الحكومة المركزية بكل مكوناتها، وعجزها عن إتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب.
واحدة من مخلفات النظام السابق السيئة في مسألة شرق السودان تحديدا، والتي يتوهم البعض أنها كانت ميزة، أنه كان يوزع المناصب في الشرق علي أساس قبلي، فمثلا في ولاية البحر يكون الوالي من الهدندوة، ويكون رئيس المجلس التشريعي من البني عامر، ويكون نوابهما من مكونات قبلية أخري، ويختلف التقسم في ولايتي كسلا والقضارف، واستطاعت الحكومة السابقة بقبضتها القوية، وبحفظها علي هذا التقسيم الذي تراضي علي الجميع أن تجعل منه واقعا حتى ظن البعض أن للقبائل حقوق ثابتة في المحاصصة السياسية، وهذا واحد من أكبر مظاهر الأزمة الحالية، إذ حدث تداخل مدمر بين القبيلة والسياسة، ليس هذا فحسب، بل وصل الحال إلى مرحلة ظن فيها البعض أن القبيلة صار لها حق حتى في الخدمة المدنية وغيرها، وهذه هي أزمة أزمات شرق السودان.
فليس هناك أي منطق لأي تخصيص سياسي علي أساس قبلي، لا في شرق السودان ولا في غير شرق السودان، فالمشاركة السياسية تكون علي أساس الأحزاب والقوي السياسية، أو علي أساس المناطق، ولكن لا دخل للقبيلة في ذلك البتة، أما الوظائف المدنية وغير المدنية فهذه تكون علي أساس الكفاءة والخبرة، والإهتمام، فبعض القبائل تهتم تاريخيا وثقافيا بوظائف ومهن معينة، فمثلا أهل حلفا والنوبيون عموما عرفوا بأعمل الطهي والسياحة والضيافة، والشايقية كانوا يهتمون بالعمل في الشرطة، (إن نجح للعسكرية، وإن فشل للطورية) والنوبة في جنوب كردفان كانوا الأكثر عملا في الجيش، الهوسا والفلاتة عموما يعملون في الزراعة، وأكثر المزارعين في القضارف منهم، بينما أكثر العاملين في موانئ البحر الأحمر من الهدندوة، ويهتم الزغاوة بالتجارة، والبقارة علي وجه العموم أهل رعي، وهكذا، فلم يحدث أن احتجت قبيلة علي كثرة أبناء قبيلة أخري في وظيفة أو مهنة معينة، ولو سار الأمر هكذا سيأتي يوم يحتج فيه أبناء قبيلة علي ضعف وجود أبنائهم ضمن لاعبي قمة كرة القدم السودانية، المريخ والهلال، وفي الدوري الممتاز، وفي الفريق القومي، فهذا تفكير خاطئ يجب مواجهته بقوة وحسم، فليس للقبيلة دور في السياسة ولا في الحكم، ولا في الوظائف المدنية.
صحيح – وكما ذكرت – أن مشكلة الشرق ليست في المسار، ولكنه صحيح أيضا أن المسار هو الذي فجر الأزمة، ووصل بها إلى ما وصلت إليه، ولذلك يجب قراءة مسألة المسار قراءة صحيحة، ويجب معالجته بقوة ووضوح بعيدا عن المساومات والمغازلات والترضيات التي تجري الآن، وبغير معرفة، وبتعارض وتضارب مخل، فلابد أن نعترف أولا أن قيام مسار للشرق ضمن سلام جوبا لم يكن له ما يبرره، مثله مثل مساري الوسط والشمال، فمنبر سلام جوبا كان في الأساس للحركات المسلحة، والذين مثلوا المسارات الثلاثة – الشرق والوسط والشمال – لم تكن لهم حركات مسلحة، ولم يكن هناك قتال في هذه المناطق، لذلك لم يكن هناك مبرر لقيام مسارات لها ضمن منبر حركات مسلحة، وضمن مناطق بها حروب مثل دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، ثم أن الذين مثلوا الشرق في المسار لم تكن لهم مرجعيات سياسية قوية ومتجذرة تدعم تمثيلهم للشرق، ولم يكن لديهم تفويض شعبي يتيح لهم ذلك، وزاد من الطين بلة أنهم جميعا لم يكن بينهم أحد فاعل من الهدندوة، ولم يكن طبيعيا أن يكون هناك أي جسم لشرق السودان يخلو من المكونات الرئيسية في المنطقة، وفي مقدمتها الهدندوة والبني عامر، وهذا ما جعل الهدندوة يصطفون ضد المسار، الأمر الذي قاد البني عامر للاحتشاد خلف المسار، وهذا مما زاد المسألة تعقيدا.
لقد لاحت أكثر من فرصة لتصحيح مسار المسار، بجعله أكثر تمثيلا لشرق السودان قبل فوات الأوان، إلا أن تعنت الجانبين – المؤيدون للمسار والمعارضون له – أفشل كل محاولات الحل المبكر، فالمعارضون للمسار كان خيارهم الوحيد المطروح إلغاء المسار تماما، وبالمقابل لجأ أهل المسار إلى قوي أخري لدعم موقفهم، فبينما تقاسموا الموالاة مع مكونات الجبهة الثورية، لجأ البعض إلى دولة الوساطة جنوب السودان، ولجأ آخرون إلى دولة الدعم الأولي الإمارات العربية المتحدة، فوجدت حكومة السودان العاجزة نفسها في موقف ضعف، فرضخت للضغوط، ووقعت علي المسار مع ممثليه، ثم وقفت عاجزة عن تنفيذ ما وقعت عليه، ولا تزال الحكومة تقف في ذات نقطة الضعف والعجز، ولا يزال أصحاب المسار يبحثون النصرة خارج الحدود في جوبا والإمارات، ولا يزال المعارضون للمسار عند محطة (قف) لا يقبلون أي حلول وسط، ومن هنا يجب أن ينطلق الحل من أجل تصحيح مسار قضية شرق السودان.
نواصل بإذن الله تعالي











