
الحدث هذه المرة، وإن كان في أدنى بقعة في الأرض (البحر الميت) إلا أنه كان في الواقع على سطح القمر.. فالحضور الطاغي والتاريخي لأول رائد فضاء تطأ قدمه سطح القمر في البشرية؛ نيل آرمسترونغ، أكسب الحضور من قياديي المجموعة صفات رواد الفضاء. فقد أخذ آرمسترونغ بكلماته الحماسية “الحضور إلى سطح القمر”. عبارة قالتها (زين) حينها مبهورة بحضور آرمسترونغ في عالمها الجميل، في واحدة من فعالياتها الكثر.
وكنا نحن أيضاً حضورا هناك، في غاية الانبهار نحبس أنفاسنا وتشرئب أعناقنا لنرى نيل آرمسترونغ أول بشر وضع رجله على القمر، وهو يخطو نحونا في قاعة اكتظت بالحضور من قيادات زين الشباب. وقفنا نصفق بحماس لآرمسترونغ و هو يقول: ” ليس هناك شيئ مستحيل”، فقد كان يحلم بالصعود إلى القمر وقد حقق حلمه اقتدارا .
كنا نرى القمر في ليالي المدينة المقمرة وسماوات قرى السودان المرصعة بالنجوم يتوسطها القمر ليكمل اللوحة.. وكنا نغني للقمر في أهازيج الطفولة.. “يا القمرة.. يا القمرة.. أقلبي السنسنة الحمراء.. وشوفي فلان ليه ما جاء”. قيل إن السنسنة هي الهالة حمراء اللون حول القمر عندما يكون هلالاً.
كنا نغني القمر بالشجا والشجن كله في الأشعار والأغاني. كنا نذوب مع إبراهيم ناجي عندما يشتط هياما ويقول للقمر “أنتَ الشفاءُ المدَّخرْ/ فاسكب ضياءكَ في دَمي”. بل كان القمر عندنا قبل آرمسترونغ هو مثل ما خاله نزار قباني كائن له جدار وسور وكراسي حديقة وجذوع شجر، كنا مع نزار نخبئ القمر في الحنايا ثم لا نلبث أن ننثره معه شعراً عند شغاف المحبين: “كتبت أحبك فوق جدار القمر/ أحبك جداً كما لا أحبّكِ يوماً بشر/ ألم تقرأيها بخط يدي فوق سور القمر/ وفوق كراسي الحديقة، فوق جذوع الشجر؟”.
بل كنا في سنيننا تلك صرعى عند ترانيم المتنبي الذي يقول “واستقبلت قمر السماء بوجهها/ فأرتني القمرين في وقْت معا”. ومن الأغاني طربنا لأبي آمنة حامد عندما يترنم ابن البادية بشعره متبتلاً في محراب جمال هائما ذاهل النهى شفّه الوجد و الطرب.. حين سال من شعرها الذهب “إن تكن أنت لم تسل يوم بدر المنى اكتمل/ نحن شلناك في المقل وقعدنا على اللهب”. ويجلس ابن البادية في تجلة على الأرض عند هذا المقطع وبرتج المكان بدوي التصفيق وزهو صيحات الإعجاب.. بل تتبعنا خيوط نور تدلت من وجه القمر ألهمت الشاعر الجميل عبدالواحد عبدالله فغنى له حمد الريح “هل عرفت لهم أثر/ بيض الوجوه كأنهم/ رضعوا على صدر القمر/ سود العيون كأنها شربت ينابيع السحر” .. وعندما أخذت المغنية العالمية القمر الكردفاني المسوم إلى العالمية عبر أغنية الدكتور عبدالقادر سالم “القمر بيضوي شن بلاني بالنجوم” كان هو قمر الرهان الذي فاز في حلبة الأقمار قاطبة لحناً وجمال كلمات.. هكذا كنا نرى القمر قبل آرمسترونغ.. كنا نراه في الأشعار والأغاني دائماً “قمرين دنيايا.. واحد في سماه والتاني معايا”. كنا نتتبع مساراته بالسبوع، بالأيام الأربعتاشر وبالشهر الكريم.
ولم تكن عندي أجمل من ليالي إجازات الصيف حيث كنت أحرص على قضاء جزء منها في حيشان حدادي مدادي في كنف جدة صغاري ونحن نستلقي على أسرة تقابل النجوم يطاردونها بكل شقاوة الطفولة وهم يشيرون إليها و يوزعونها على أفراد الأسرة الممتدة “دي نجمة فلان… وديك نجمة عمو فلان.. وديك نجمة فلانة”.. وعندما يشيرون إلى القمر كانوا يؤثرون أن يكون من نصيب (حبوبة) لها الرحمة، فقد كانت تدثرهم بحنان ينطلق بأشعة فوق كل الألوان يحسونه فلا يجدون له مقابلاً إلا أن يهدوها القمر ذاته مغلفاً بسلوفان حبهم.
ثم اكتشفنا أن القمر يمكن أن يكون اصطناعياً ومصدر رزق عندما كانت أولى محطات العمل عندنا المحطة الأرضية للأقمار الصناعية العالمية (أنتلسات) حين كانت مديرتها قمراً اسمه ليلى عباس هلال. هناك عرفنا أن للقمر المصنوع فوائد أخرى.. تتجاوز إلهام الشعراء إلى نقل أحاسيسهم حية تنبض بالصوت والصورة.. بالكلمة المكتوبة.. والمشاعر الجياشة. كنا نحس بالكلام ينساب ما وراء قراءات الطيف الترددي ذبذبات، رموز وشفرات والقمر الاصطناعي يرسل إشاراته ونتابع حركته عبر (المحطة)، كما عباد الشمس؛ نميل معه حيث يميل، ونتمم عمله كما القدال (ليل ووردية).. بل ونحس كأننا من عناهم بقوله “ويالولد البشيل مدقاقو/ قولة خير على القمرة/ يقابل الجاية متحزم ومتلزم/ كلام فاسك على أرضك/ يبقى عديلة يا بيضاء/ ويبقى زفاف تزغرد ليه قمرية”.
كان القمر قبل أن نلتقي آرمسترونغ هو هذا وذاك وتلك، فهو حكايات النوم عند الأطفال يسبلون أجفانهم في براءة ونصف ابتسامة تشرق من وجوههم القمر، وهو جمال الحبيبة القمر (ويبقى زفاف تزغرد ليه قمرية)، أو هو محطة للأقمار المصنوعة تنقل الأشواق بالصوت والصورة وترسم الطيف الترددي.
ولكن آرمسترونغ عندما التقيناه نواحي البحر الميت في أكتوبر من عام 2008 بصحبة ربان سفينة زين الماهر دكتور سعد البراك ، وألهب فينا الحماس حين جعل من كل الحاضرين رواد فضاء يعيشون الحلم وصوته العميق يردد “ليس هناك شيئ مستحيل”.. نيل آرمسترونغ لم يجعل من رحلته إلى القمر في أبولو11 عملاً خارقاً يفتخر به ويعيش ذكرياته ويهفو بخياله إلى قاعدة (كيب كانافيرال) حيث تقبع المركبة في مجمع الزوار في مركز جون كنيدي للفضاء، بل رآه على الجانب الشخصي حلماً راوده، عاشه وسكن فيه وعندما مات في 25 أغسطس 2012 وقالت عائلته عند وفاته “نحن نحتفل بحياته الرائعة، ونأمل بأن يكون مثالاً للشباب اليافعين حول العالم لأن يعملوا بجد من أجل تحقيق أحلامهم، بأن يكونوا راغبين في الاستكشاف وتخطي الحدود”.. ثم طلبت عائلته وبالحزن كله بأنه “وفي المرة القادمة التي تمشي فيها في ليلة صافية وترى القمر يبتسم إليك فكر في نيل آرمسترونغ واغمز له”.
آرمسترونغ عاش حلمه وحققه بإرادة.. إرادة قال عنها محمد الحسن سالم (حميد) بخيال الشعر الذي يرتاد الثريا “إرادة القمرة البتقدر/ براها تضوي الضلام”.
عيشوا حلم ارمسترونغ الذي اوصله القمر و ارادة القمرة التي بمفردها اضاءت الظلام











