الأخبار

جمال عنقرة.. يكتب.. قول مناوي خلوهو .. انتوا قولكم شنو؟

حكي طرفة شعبية أن رجلا من أهل البادية جاء إلى المدينة، فوجد واحدا من المدنيين لم يسره شكله، ولا حديثه، ولا مشيته، ولعله كان شبيها بالذي صادفه صديقنا الدكتور محمد بادي، في خواتيم سبعينيات القرن الماضي، ولم تعجبه حالته أيضا، فكتب فيه قصيدة مشهورة (هوي يا وليد) عموما رجل البادية قال لولد المدينة وصفا لم يعجبه، فاشتكي الولد المدني الرجل البدوي لدي القاضي، فلما سأل القاضي الرجل البدوي إن كان قد قال هذه الكلمة للولد المدني، فقال له البدوي، (يا مولانا أنا قولي خليهو، إنت قولك شنو؟) تذكرت هذه القصة عندما وجدت مجموعة من قيادات ومنسوبي قوي إعلان الحرية والتغيير، لم يرضهم قول رئيس حركة جيش التحرير السيد منى أركو مناوي أن الحرية والتغيير لم تعد حاضنة للثورة والحكومة. وبرغم أن رد السؤال إلى المحتجين من قيادات الحرية والتغيير كما فعل البدوي للقاضي، وحده يكفي، لكن دعنا نتحدث عن بعض الحيثيات الموضوعية أولا.
وبالنسبة للسيد مناوي صاحب القول المرفوض، لما أردت أن أكتب عنه قبل فترة، لم أكن أعرف كثيرا عن شخصيته، ولا عن فكره وأفكاره، لذلك اكتفيت بالكتابة عن أسرته التي أعرف عددا منها منذ نحو أربعين عاما تقريبا، وكان كثيرون يشككون في سودانية الرجل وأصالته، فكتبت تاريخا مهما لأسرته يبدو أنه كان خافيا علي كثيرين، ولعله هو شخصيا لم يكن علي علم ببعض تفاصيل مجاهدات وكسب أشقائه الكبار، مثل حسين الذي كان من أميز الكوادر الطلابية النقابية، ومن أكثر الناشطين في المجال الثقافي في جامعة جوبا قبل أربعين عاما. ولكن بعد ذاك المقال أتيحت لي فرصة جلستين سريعتين مع السيد مناوي، كشفتا لي جوانب مهمة في طريقة تفكير الرجل، الجلسة الأولي عندما زارنا في مسيد أخي الحبيب وشيخي الجليل الشيخ الياقوت الشيخ محمد شيخ الطريقة السمانية الخلوتية، للإطمئنان علي صحة الشيخ، ولتقديم واجب الشكر للشيخ العظيم لمواقفه الوطنية عموما، ولنصرته لكل المظلومين، ولأبناء دارفور بصفة خاصة، فجمعتنا مائدة واحدة مع السيد مناوي، وابنائي الأحباب الغالين الشيخ محمد والشيخ الغزالي نجلي الشيخ الياقوت، وأخي (ود أبونا البرعي) علي إدريس محمد الخبير في مجال الطيران وصاحب وكالة الأوائل المعروفة، وواحدا من مرافقي السيد مناوي، والثانية كانت يوم دعوة العشاء التي أقامتها علي شرفه ابنتي الأصيلة الأصلية بت الأصول مريا عثمان حسين، وزوجها فتحي النور برعاية كبيرهم، كبير (أولاد أم درمان) الزعيم متوكل علي أبو القاسم، في محلهم الفخيم شرق المطار، وكانت هذه الجلسة علي قصرها مهمة جدا، وأول ما لمسته في السيد مناوي أنه رجل لطيف وودود، ويتعامل باعتباره رجل دولة، بل رجل دولة من طراز فريد، أما الأهم في شخصيته فإنه لا يتردد في الحديث عن المسكوت عنه في العام والخاصة، وهذه ميزة عند كثيرين من الزعماء، ثم أني أدركت أن الرجل معه قيادات رفيعة ومتميزة علي عكس ما يظن كثيرون من الذين حكموا ببعض النماذج التي تتصدر المشهد من المحسوبين عليه، ولم يقدموا وجها حسنا للحركة، فالحركة فيها قيادات مميزة ومتميزة، مثل الأمير الدكتور أبو عبيدة الخليفة عبد الله التعايشي، والجنرال جمعة، والدكتور مصطفي الجميل، والسيد بخيت حامد، والسيد محمد بشير أبونمو، وآخرين كثر طبعت في ذاكرتي صورهم، لكنني لم أتعرف علي أسمائهم.
ومن حسنات لقاء (أولاد أم درمان) أني تعرفت علي السفير التشادي في السودان السيد عبد الكريم كويبرو أويقي وهو رجل ودود جدا، وعالم، ويتحدث أيضا في المسكوت عنه، ولقد ذكرتني شخصيته بأخينا الراحل عيسي عبد الله، وعيسي من أبناء أم روابة، وهو الشقيق الأكبر للمستشار القانوني المعروف مزمل عبد الله، وكان من أميز طلاب كلية القانون بجامعة الخرطوم في ستينيات القرن الماضي، وكان مفكرا ومجاهدا، خرج بعد انقلاب مايو من السودان، واستقر به المقام في تشاد، وقاد النضال مع الرئيس التشادي الأسبق جوكوني ودي، ثم صار وزيرا لرئاسة الجمهورية في تشاد في حكومة جوكوني، ولما سقطت حكومتهم استقر به المقام في ليبيا وكانت له مساهمات فكرية واضحة إلى أن لقي ربه قبل نحو خمس سنوات تقريبا له الرحمة والمغفرة، عموما مثال الأخ عيسي، والسفير عبد الكريم وكثيرين غيرهما تكشف بجلاء عمق العلاقات السودانية التشادية في كل جوانبها الثقافية والتاريخية والعرقية وغيرها، ولعل ذلك يلفت النظر إلى مزيد من الإهتمام بعلاقتنا بالشقيقة تشاد، فهي أولي من غيرها، هذا فضلا عن عظمة المصالح المشتركة بين البلدين والشعبين الشقيقين.
ونعود إلى حديث السيد مناوي الذي أغضب أهل (قحت) فلا بد من الإعتراف أن قحت اليوم ليست هي قحت صباح يوم الثورة، فلقد ارتضي السودانيون جميعا صبيحة يوم التغيير أن تكون قحت هي الحاضنة الوحيدة للثورة والحكومة، علي الرغم من أن كثيرين لم يكونوا معهم، ولكن الناس فعلوا ذلك حرصا علي استمرار وتماسك قوي الثورة، ولكن للأسف الشديد فإن بعض مكونات قوي الإعلان لم يكونوا علي قدر التحدي، فبدلا من استثمار هذا القبول لحشد القوي الوطنية لدعم الثورة، ظلوا يسعون للاستئثار بكل خيرات الثورة والدولة، من مناصب، ومواقع، وغيرها، وكانت النتيجة أن دبت الخلافات في أوصال قحت، وصارت مكوناتها تتساقط منها الواحد تلو الآخر، خرجت منها الجبهة الثورية وفتحت منبرا خاصا بها للحوار مع الحكومة من أجل السلام، وجمد حزب الأمة القومي نشاطه في قحت، وخرج منها تجمع المهنيين، ولحق به الحزب الشيوعي السوداني، وبعض البعثيين، وبعض الاتحاديين، فمن بقي في قحت حتى تظل حاضنة للثورة والحكومة؟
كنت أتمني أن تتعظ قحت بنفسها، فمجلس الشركاء أعاد لها الفرصة مرة أخري لتعود إلى المشهد السياسي فاعلة مع الفاعلين، فمجلس الشركاء أعاد لها حزب الأمة، وأعاد تجمع المهنيين، وأعاد بعض القوميين العرب، وأعاد كل مكونات الجبهة الثورية، لا سيما حركات الكفاح المسلح، ويمكن أن يعيد الانسجام بينهم وبين العسكريين بعد أن فقدوه بسبب معارك ظلوا يفتعلونها مع العسكريين بغير أسباب موضوعية، فالخيار الوحيد المتاح الآن أمام قحت أن ينسوا الحاضنة القديمة التي لم تعد تحضن أحدا، ويدخلوا جميعا في حضن مجلس الشركاء الذي يمكن أن يعبر بهم وبنا هذه المرحلة المهمة والخطيرة والمفصلية في تاريخ بلدنا، والله الموفق.