الأخبار

أَنَا أَعْتَرِضُ، ، ، إِذًا أَنَا مَوْجُودٌ بقلم: جلال الدين محمد إبراهيم

في كل زاوية من زوايا المشهد السياسي السوداني، وفي كل منعطف من منعطفات تاريخنا الممتد منذ الاستقلال، يتردد صدى عبارة واحدة تلبس ثوباً من المعارضة أحياناً، وثوباً من التصحيح أحياناً أخرى، لكنها في جوهرها تظل أسيرة فكرة واحدة: “أنا اعترض، إذن أنا موجود”. وكأن الوجود السياسي لا يُقاس بالإنجاز، ولا يُوزن بالبناء، ولا يُقدّر بالعطاء، بل يُحصى بعدد الاعتراضات التي تُطلق، وعدد الهتافات التي تُرفع، وعدد البيانات التي تُعمم.

– لقد اعتادت الساحة السياسية السودانية على مشهد مألوف منذ لحظة الانفلات من ربقة الاستعمار: حكومات تتوالى، ومعارضات ترافقها كالظل، لكن الظل في هذه الحالة لا يضيف إلى الجسد، ولا يكتمل به الصورة، بل يبقى مجرد انعكاس مشوه لحالة من الجمود الفكري. فالمعارضون، بكل أطيافهم وتوجهاتهم، استنفدوا جهدهم في رصد العيوب، وتضخيم الهفوات، وتكبير الصغائر، دون أن يقدموا لأنفسهم وللشعب لحظة تأمل صادقة تسأل: وماذا بعد الاعتراض؟ وأين البديل؟ وكيف يكون الحل؟

– وإذا ما تعمقنا في بنية هذه المعارضات، نجدها تنبض بمرض عضال آخر، وهو الشعور بالتفوق العقلي والفكري الذي يتحلى به كل طرف تجاه الآخر. فاليساري يرى في نفسه حامل لواء العقلانية والتقدم، والإسلامي يظن أنه صاحب المشروع الحضاري الأسمى، والعلماني يتصور أن مداركه وحدها قادرة على إنقاذ الوطن، والقبلي يتعامل مع الآخرين كأنهم وصية على مقدرات قومه. هكذا ينظر كل فريق إلى الآخر من أعلى برج عاجي وهمي، بينما الواقع يصرخ بأنهم جميعاً، في ميزان الإنجاز، لا يزنون شيئاً يذكر أمام طموحات شعب يتضور جوعاً للتغيير الحقيقي.

– إنها حالة من الفراغ الفكري المدمر، حيث يعيش المتنافسون في وهم الامتلاء العقلي، بينما الحقائق الميدانية تكشف أن ما يملأ عقولهم ليس أكثر من شحنات من الأفكار المستوردة، والخطابات الجاهزة، والأيديولوجيات البالية التي أثبتت فشلها في كل مكان حلّت فيه. هذا الفراغ القاتل، الذي يتخفى خلف ستار من المصطلحات الرنانة والشعارات البراقة، هو الذي يدفع ثمنه الشعب السوداني غالياً، كلما تأخرت دولة، وتأخرت صناعة، وتأخرت تنمية، وتأخرت معرفة..

– لهذا كله، ولأن الشعب السوداني قد أنهكه الفشل وضاقت به السبل، وبات يعرف خياراته أكثر مما تعرفها النخبه المزعومة ! ! ، فلا بد من وقفة جريئة تعيد النظر في آليات اختيار من يتولون المناصب الدستورية في هذا البلد. لا يمكن أن يظل التعيين الحكومي مجرد صفقة سياسية، أو هدية من حزب لفصيل، أو مكافأة لولاء عمياء. المطلوب اليوم، وبكل وضوح، هو كسر احتكار النخب لهذه المناصب، وفتح باب الترشح أمام كل مواطن سوداني يرى في نفسه القدرة على العطاء، وذلك عبر آليات شفافة ومعلنة، تعتمد على معايير موضوعية، لا على وساطات وعلاقات.

– إن إعلان المناصب الدستورية في وسائل الإعلام، ودعوة الراغبين للتقدم لها، ليس مجرد إجراء شكلي، بل هو ثورة في المفهوم السياسي السوداني الجديد المطلوب ، وهو اعتراف صريح بأن الكفاءات لا تنحصر في دائرة ضيقة من السياسيين وكل من كرر نفسه وفشله في لشعب ، بل هي منتشرة في كل ركن من أركان هذا البلد، بين أكاديميين مبدعين، وخبراء متميزين، وإداريين محنكين، وشباب طموح يملؤه الحماس للتغيير. هؤلاء هم من يستحقون الفرصة، وهم من يجب أن تتنافس برامجهم وأفكارهم أمام الرأي العام، في مناظرات إعلامية علنية شفافة، تضع المواطن في موقع الحكم الفعلي، لا في موقع المتفرج على صفقات تتم في غرف مغلقة ( هلك السودان بسبب أسلوب التعين بقانون ( زولي وزولك ،، وناسي وناسك ) ضعنا وضاع الوطن بسبب تعين الاقرباء من اهل الفشل وحصر المناصب ذات القرار في البلاد لتكون في يد ( من لا كفاءة له الا انه قريب فلان الفلاني في المنصب الفلاني )

– تخيلوا معي مشهداً يجلس فيه مرشحان لمنصب وزاري أو لاي منصب مسؤولية ، ويتم بينهم مناظرة اعلامية على الهواء مباشرا يناقشان أمام الشعب عبر شاشات التلفاز، و يعرض كل منهما رؤيته، ويدافع عن برنامجه، ويستمع لأسئلة النقاد والمواطنين. هذا المشهد، هو الممارسة الطبيعية في أي دولة تريد النهوض. إنه الطريق الوحيد لفضح مدعي الكفاءة من حامليها حقيقة، وهو الكفيل بأن يجعل الاختيار قراراً شعبياً بامتياز، لا قراراً حكومياً يفرض من فوق، ويكون محصلة لمزاجية القرار الفردي، أو لتحالفات المصالح الضيقة.

– لقد حان الوقت لنقولها بوضوح، وبلا مواربة، وبلا خوف من أحد: الشعب السوداني قد شبع فشلاً وتخلفاً، وقد ملأه اليأس من صراعات النخب العقيمة التي لا تقدم له خبزاً ولا علماً ولا أماناً. والسودان، الذي يمتلك من الثروات الطبيعية والبشرية ما يجعله مؤهلاً لأن يكون من أغنى دول العالم، يظل يتخبط في مستنقع الفقر والجهل والتخلف، ليس لأن أبناءه أقل كفاءة من غيرهم، بل لأن الكفاءات الحقيقية محجوبة عن مواقع القرار، بينما غير المؤهلين يتسابقون لامتلاك مفاتيح الدولة وكأنها غنيمة حرب.

– اخر المداد

ليست القضية قضية ثروة مالية فقط، فالسودان يغص بالذهب والمعادن والمياه والأراضي الخصبة، ولكن القضية الأعمق هي قضية الثروة العقلية والمعرفية التي تهدر في صراعات هامشية. لقد حان الوقت لأن يتحول المواطن السوداني من مجرد متفرج على مسرحية فشل النخب، إلى لاعب رئيسي في صناعة القرار. وحينها فقط، سيتوقف الخراب، وتبدأ رحلة البناء الحقيقي، التي يستحقها شعب عانى طويلاً، ويستحقها وطن غفل عنه أبناؤه زمناً، وهو ينتظر من يوقظه من سباته الطويل، بفكر جديد، وعمل جاد، وإرادة لا تلين. الا هل بلغت ،، اللهم فاشهد ، فستذكرون ما أقول لكم وافوض امري الي الله ان الله بصير بالعباد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *