الأخبار

بحصافة – الزاكي التجاني.. وأفول نجم مجتمعي من سماء السودان! بقلم : إمام محمد إمام

i.imam@outlook.com

ألا رحم الله تعالى الأخ الصديق الزاكي التجاني محمد إبراهيم الزاكي الذي تُوفي إلى رحمة الله تعالى يوم السبت 26 سبتمبر (أيلول) 2026 في مستشفى الشرطة بمدينة نصر في القاهرة التي لجأ إليها، فاراً بأهليه من خضم الحرب الضروس التي أشعلها بسوس السودان (الجنجويد)، فإن كانت البسوس بنت المنقذ التميمية، وهي شاعرة جاهلية، مشعلة الحرب بين قبيلة تغلب بن وائل وأحلافها ضد بني شيبان وأحلافها من قبيلة بكر بن وائل! فالجنجويد أضرموا نار الحرب في السودان بتمردهم على الجيش. وإن كان الموت في حرب البسوس، قتالاً قاصراً على الرجال المحاربين، فبسوس السودان (الجنجويد) لم يُقصروا حربهم وقتلهم على الجيش الذي تمردوا عليه، بل امتد عدوانهم على عموم أهل السودان، قتلاً وإيذاءً وسرقةً وغصباً واغتصاباً وتخريباً للدور والديار! إلا الذين نجوا بأنفسهم من التهلكة بالفرار إلى أرض الله الواسعة، هجراً للمال والعمران! وفرقوا أهل السودان أيادي سبأ، أي أنهم فرقوهم شذر مذر!
وكأن الجنجويد ومن والاهم -لعنهم الله ولعنهم اللاعنون- في حربهم الضروس هذه، لم يستنصحوا بنصائح الشاعر العربي زُهير بن أبي سلمى في قوله:
وَمَا الحَرْبُ إِلاَّ مَا عَلِمْتُمْ وَذُقْتُمُ
وَمَا هُوَ عَنْهَا بِالحَدِيثِ المُرَجَّمِ
مَتَى تَبْعَثُوهَا تَبْعَثُوهَا ذَمِيْمَةً
وَتَضْرَ إِذَا ضَرَّيْتُمُوهَا فَتَضْرَمِ
ولم يعد الموت الذي هو حقٌ علينا يزلزل كيانات المبتلين به من السودانيين، فقد وطنوا أنفسهم على الاستعانة عليه بالصبر والصلاة، امتثالاً لقول الله تعالى: “يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ”. وتطمئن قلوبهم -رغم المأساة- بذكر الله، تصديقاً لقوله سبحانه وتعالى: “الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ”. وفي غفلةٍ، بمشاغلهم في أمور الحياة الدنيا، ينسل من بينهم الأحباب والأقارب، دون سابق إخطارٍ أو إنذارٍ. ويُفجعهم الموت في الأهلين والأقربين! كما لم يعد تصنيف الموت مهماً لديهم في كثيرٍ من الأحايين! لإدراكهم اليقيني، إن كل نفسٍ ذائقةُ الموتِ، تأكيداً لقول الله تعالى: “كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ”.
فقد غيب الموت، الذي هو مدركنا لا محالة، أينما كنا، سواء فررنا من هول حرب الجنجويد، كحُمرٍ مستنفرة فرت من قسورة، بحثاً عن الأمن والأمان، خارج الوطن، أو ظللنا مرابطين داخل السودان! فقد نعى إلينا الناعي، وشق علينا النبأ الأليم، أن الأخ الصديق الزاكي التجاني، الرجل المجتمعي المطبوع، والرياضي الرزين، والسياسي الحصيف، قد رحل عن دنياواتنا الفانيات إلي رحاب الدينارات الباقيات، بعد معاناة مع القضاء المؤجل (المرض)، وأن الحزن على فقده لأليم، ولم يقتصر على أهليه، وأصدقائه وعارفي فضله وإحسانه، بل امتد إلى الكثيرين من معارفه داخل السودان وخارجه.
وأكبر الظن عندي، أن القاهرة التي أمضي فيها الراحل الزاكي التجاني -يرحمه الله- أوقاتٍ معدوداتٍ، لم يُسارع إلى مغادرتها شاكراً أهليها لرحابة الضيافة، بعد أن استتب الأمن والأمان في الخرطوم، لأنه كان فيها معلولاً، ينشد العلاج، وما درى بأي أرضٍ يموت، ومتى يتحقق فيه القضاء المبرم (الموت)، بعد أن يُكمل أسباب القضاء المؤجل (المرض).
وأحسبُ أني أفردتُ كثير مساحاتٍ في مرثياتي السابقات عن موت الفُجاءة، وما ورد فيه من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقوال أهل العلم، ولما كان وفاة الراحل الزاكي التجاني بعد القضاء المؤجل (المرض)، إذ أمضى في مستشفى الشرطة بالقاهرة أكثر من أربعين يوماً من المعاناة من المرض الأليم. رأيتُ من الضروري، أن أورد في هذه العُجالة الرثائية، بعضاً من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في القضاء المؤجل (المرض). فقد اختلف أهل العلم في المصائب من أمراض وغيرها هل يؤجر عليها المسلم بمجرد وقوعها؟ فمنهم من يقول إنه لا يؤجر إلا على الصبر والرضا، وإلى هذا ذهب العز بن عبد السلام، فقد نقل ابن حجر العسقلاني في “فتح الباري” قوله: “ظن بعض الجهلة أن المُصاب مأجور، وهو خطأ صريح، فإن الثواب والعقاب إنما هو على الكسب، والمصائب ليست منها، بل الأجر على الصبر والرضا.
وهذا القول يؤيده حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط”. صححه الشيخ محمد ناصر الدين الألباني. ومنهم مَنْ يقول إن المصائب من أمراض وغيرها كفارات، وإن لم تقترن بالرضا، وهذا اختيار الإمام العالم الفقيه الأصولي شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن بن عبد الله بن يلين الصنهاجي القرافي المالكي، ونقل عنه كذلك ابن حجر العسقلاني، فقال: قال القرافي: “المصائب كفارات جزماً سواء اقترن بها الرضا أم لا، لكن إن اقترن بها الرضا عظُم التكفير وإلا قل”.
ويُؤيد قول القرافي ما رواه الإمام أحمد بن عبد الله بن مغفل: “إن رجلاً لقي امرأة كانت بغياً في الجاهلية، فجعل يُلاعبها حتى بسط يده إليها، فقالت المرأة: مه فإن الله عز وجل قد ذهب بالشرك -وقال عفان مرة ذهب بالجاهلية- وجاءنا بالإسلام، فولى الرجل فأصاب وجهه الحائط فشجه، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره فقال: “أنت عبد أراد الله بك خيراً، إذا أراد الله عز وجل بعبدٍ خيراً عجل له عقوبة ذنبه، وإذا أراد بعبدٍ شراً أمسك عليه بذنبه حتى يُفى به يوم القيامة”. ويدل على هذا أيضاً حديث أبي سعيد الخدري عند البخاري مرفوعاً: “ما من مُصيبةٍ تُصيبُ المسلم إلا كفر الله بها عنه، حتى الشوكة يُشاكها”. فدل هذان الحديثان على أن المُصيبة كفارة للمؤمن، وإن لم يقترن بها الرضا.
وُلد الأخ الزاكي التجاني في يناير (كانون الثاني) 1959 في مدينة الدويم بولاية النيل الأبيض (محافظة النيل الأزرق)، حيثُ تلقى مراحله التعليمية الأولى في مدينة الدويم، وكان شغوفاً منذ بواكير صباه بالتجارة، ومساعدة والده، باعتباره الابن الأكبر من الذكران، في مشاريعه التجارية، فاستأذن والده، وألح عليه في التفرغ للتجارة، وهجر التجارة، فاستجاب له والده، وحقق له رغبته، وانتقل مع أسرته من الدويم إلى الخرطوم، فسكنوا في الثورة -الحارة التاسعة- بأم درمان، ثم انتقلوا إلى شمبات في الخرطوم بحري.
فأظهر الراحل الزاكي التجاني مقدرةً كبيرةً وكفاءةً عاليةً في الأعمال التجارية.
ولم يقتصر جهده في الأعمال التجارية، والمشاريع الاستثمارية، بل امتدت مساعداته لوالده إلى مجالات أُخر، فكان له خير مُعين بعد الله في الرياضة والسياسة، بالإضافة إلى الإشراف على إخوته، تربيةً وتعليماً. ولما تُوفي والده، لم يألو جهداً في تربية إخوته، ومتابعة دراستهم. فحرص أيما حرص، على أن يُكمل إخوته جميعاً تعليمهم الجامعي، ونيل الشهادات العُلا، وترك لهم حرية الاختيار في العمل ضمن مشاريع والده التجارية أو شق طريقهم في كسب العيش خارج السودان، فمنهم من هاجر إلى أمريكا ودول الخليج، ومنهم مَنْ ظل معه داخل السودان. وظل الراحل الزاكي التجاني مع بعض إخوته يتابع في غير كَلٍّ أو مللٍ مشاريع والده التجارية وتطويرها، ممثلة في التجارة والمخابز والبصات السفرية وغيرها.
وكان الراحل الزاكي التجاني قد تشرب من والده حب السياسة، ممثلة في الحزب الاتحادي الديمقراطي، والرياضة شُغف فيها بحب الهلال، إذ كان والده من قيادات نادي الهلال. فلم تقتصر علائقه بقيادات الهلال وزعامتها، كالطيب عبد الله وطه علي البشير وصلاح إدريس وغيرهم، وأصدقاء والده في الهلال، بل بلاعبيه وإعلاميه ومشجعيه، وامتدت تلكم العلائق إلى أندية أخرى، منها المريخ! فلا غروَّ أن أظهر الراحل الزاكي التجاني وأهلوه شغفهم وحبهم للهلال عياناً بيناً، وحجاجي في ذلك، أنهم أطلقوا على أحد مشاريعهم التجارية (حليب الهلال).
وكان الفقيد الزاكي التجاني باراً بوالدته، وحانياً على إخوته. فلما استقل بأسرته في منزل بالمزاد في الخرطوم بحري، ووالدته وإخوته في الدار الكبرى بشمبات، تجده لا يشرب شاي الصباح إلا مع أمه، فهو يقدم إليها من منزله باكراً قبل أن يستيقظ إخوته الذين يعيشون معها في البيت الكبير. هكذا كان بره بوالدته، فلا غرابة إن حزن عليها حُزناً عظيماً عند وفاتها، ويُكثر الدعاء لها دُبر كل صلاة، فرضاً كانت أم نافلة -اللهم تقبل دعاءه، وأنزل عليها وعليه شآبيب رحماتك الواسعات-.
كان الأخ الراحل الزاكي التجاني، تحمل معاناة المرض، في صبر وجلد، وكان على قناعة أن الموتَ حقٌ، فالكل وارده، تصديقاً لقول الله تعالى: “كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ”. وليس ببعيدٍ عن ذهنه، قول الشاعر العربي كعب بن زهير بن أبي سلمى:
كل ابن أُنثى وإن طالت سلامتُه
يوماً على آلةٍ حدباءَ محمولُ
عرفت الراحل الزاكي التجاني محمد إبراهيم عند أوبتي إلى السودان من لندن، بعد ما يزيد عن الثلاثين عاماً في بريطانيا -دراسةً وعملاً- عازماً وضع عصا الترحال، لأقيم في وطني ما أقام عسيب! وتوثقت علائقي به، بعد التردد إلى مجلس مؤانسة الجمعة الذي ينتظم في دارهم العامرة بشمبات في الخرطوم بحري، مع عُصبة من كرام الرسلاء،وثُلة من الأصدقاء، ونفر من المعارف. وقد حباني بمكرمة دون الآخرين، إذ أنه يأتي إلى داري في حي الخرطوم2، لكي أحضر ذاكم المجلس في دارهم بشمبات! فهذه المكرمة وثقت العلائق، واستدامت الصداقة، فكثرت الزيارات بيننا، وتعمقت المودة، وزاد الوداد. أضف إلى كل ذلكم، أني درست أرملته المصون (أم محمد) – صبرها الله على مصابها الجلل-.
أخلص إلى أن الأخ الزاكي التجاني -يرحمه الله- كان صديقاً صدوقاً، وأخاً عزيزاً، وشخصاً كريماً، ورفيقاً مخلصاً، ورقيقاً حانياً، وودوداً لطيفاً، محباً خيراً، وجميلاً في مؤانسته،حسن المعشر، طيب الخلق، كريم السجايا. كان يرحمه الله يتمتع بسجايا و خصال حميدة، سمح الخصال كثير الوصال، رفيع السجايا باسم المحيا، لا تمل من مجالسته، و تأنس بمعاشرته. عاش متواضعا ورحل في هدوء!
لم يكن يأبه بتصاريف الزمان، ولا يتشكى من وحشة المكان، ولم يكن يتوان في خدمة أهليه ومعارفه، فهو معهم في أفراحهم وأتراحهم. ولا يتأخر في عون من يطلب عونه، حتى في غربته الاضطرارية كان يساعد مَْ يطلب مساعدته! فقد ذاق مرارة الغُربة، وعذابات الاغتراب الإضطراي، الذي دفعه إليه حرب الجنجويد! ولكن بروحه التواقة لمصالحة النفس، جعلها غُربة جسدٍ، بينما الروح شاردة إلى شمبات، وساكنة في الوطن!
فكان يتمثل في نفسه قول أبي إسماعيل الحُسين بن علي بن محمد بن عبد الصمد المعروف بالطغرائي:
ما أضيق العيش
لولا فُسحة الأمل
ألا رحم الله تعالى الأخ الصديق الزاكي التجاني محمد إبراهيم الزاكي، رحمةً واسعةً، ومغفرةً عظيمةً، وتقبله قبولاً طيباً حسناً، وأنزل عليه شآبيب رحماته الواسعات، ودثره بدثار مغفراته العميمات، وأدخله فسيح الجنات، وأخلفه خيراً في زوجته المكلومة أم محمد أسماء وأبنائه محمد وإبراهيم وأخواتهما، وإخوانه وأخته. اللهم أحشره مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، اللهم ارفعه في عليين، واكتبه عندك من المحسنين. وألهم آله وذويه وأهليه جميعاً، وأصدقاءه وزملاءه وعارفي فضله وإحسانه، الصبر الجميل.
ولنستذكر فوق هذا وذاك، في هذا الموقف الصعيب الأليم، قول الله تعالى: “وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا ۗ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ”.

‏

‏
‏

‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *