عقب هلاكه في كردفان.. أسرى ناجون يروون لـ«عزة برس» فصولاً مروعة عن «سفاح آل دقلو» يوسف أبكرانك

الخرطوم _ أمل أبوالقاسم
أعاد مقتل القيادي في قوات الدعم السريع، يوسف عمر هارون عثمان، المعروف باسم «أبكرانك»، إلى الواجهة شهادات أسرى وناجين قالوا إنهم عاشوا فترات احتجاز داخل مواقع تابعة للقوات في الخرطوم، ورووا تفاصيل ما وصفوه بعمليات تعذيب وقتل وتصفيات تعرض لها معتقلون وأسرى.
وأفادت مصادر طبية بمقتل أبكرانك، الثلاثاء، داخل مستشفى نيالا، متأثراً بإصابته في ضربة بطائرة مسيرة بمحور غرب كردفان، بعد إصابته الاثنين.
وبحسب المعلومات المتداولة، كان قائد مليشيا الدعم السريع، محمد حمدان دقلو، قد زاره في المستشفى واستقدم له فريقاً طبياً متخصصاً، إلا أنه فارق الحياة متأثراً بجراحه.
وشغل أبكرانك، وفق المعلومات المتداولة وشهادات ناجين، منصب القائد الثاني لقوات الدعم السريع في منطقة مصفاة الجيلي، كما ارتبط اسمه بالإشراف على معتقلات في الخرطوم، من بينها الرياض وسوبا، قبل فراره إلى نيالا.
وبعد انتشار خبر مقتله، استعاد عدد من الأسرى السابقين ذكرياتهم عن فترة الاحتجاز، وتحدثوا لـ«عزة برس» عن وقائع قالوا إنهم عاشوها أو شاهدوها داخل تلك المواقع.
*«الطبية».. محطة الرعب
ووصف أحد الأسرى السابقين محطة «الطبية» التابعة للقاعدة العسكرية في منطقة مصفاة الجيلي بأنها كانت، موقعاً مرعباً للأسرى والمعتقلين.
وقال إن يوسف أبكرانك كان، وفق إفادته، من المسؤولين عن عمليات الاستجواب والتعذيب والتصفية، وإنه كان يباشر بعض عمليات التعذيب بنفسه.
وأضاف أن أبكرانك كان يجتمع مع عناصر من قواته داخل الموقع، وأن جلسات التعذيب كانت، بحسب روايته، تنتهي في بعض الأحيان بمقتل الضحية، قبل أن يتم استدعاء عناصر لدفن الجثث.
وقال : إن الموقع شهد احتجاز أسرى من القوات النظامية ومدنيين، وإن ما كان يجري هناك ترك أثراً بالغاً في نفوس الناجين.
*«لم أره طوال عام وأربعة أشهر»
وفي شهادة أخرى، قال أحد الأسرى السابقين إنه لم يحظَ بمعرفة أبكرانك أو رؤيته مباشرة، رغم كثرة تردده على السجن خلال فترة احتجازه التي امتدت إلى نحو عام وأربعة أشهر.
وقال إنه كان يتوقع في أي وقت أن يُستدعى إلى أبكرانك، لكنه لم يلتقِ به بسبب تدخل قائد الاستخبارات في كل مرة كان يطلب فيها أبكرانك الاستماع إلى الأسرى.
وأضاف: «كان قائد الاستخبارات يأمرني بالرجوع في كل مرة يطلب فيها يوسف الاستماع إلينا، ربما كان هذا سبباً في عدم مقابلتي له أو مقابلته لي».
وتابع مستعيداً إحدى اللحظات التي قال إنها كانت مرعبة بالنسبة إليه: «من الباب يصرخ: أرجع يا زول، أنت إلا يمرقك الجيش البتدعي ليه بالانتصار علينا».
وقال إنه كان يتوقع أن يُستدعى يوماً إلى ما وصفها بـ«حفلاته الدامية»، لكنه نجا من ذلك، معتبراً أن عدم لقائه المباشر بأبكرانك كان من أسباب نجاته.
*مقتل طه حسن
ويروي الناجي ذاته واقعة قال إنها لا تزال حاضرة في ذاكرته، وتتعلق بأسير يدعى طه حسن من قرية السليت.
وقال إن طه تعرض للتعذيب داخل الموقع، إلى أن «سكت صوته وتوقفت أنفاسه»، قبل أن يأمر أبكرانك، وفق روايته، عناصر الموقع بدفنه.
وأضاف أن هذه الواقعة وغيرها جعلت اسم أبكرانك مرتبطاً في ذاكرة الأسرى بالخوف والتعذيب والموت.
وقال عقب سماعه خبر مقتله: «اليوم يأتينا خبر هلاكه، فقد لقي جزاء طغيانه وجبروته»، مضيفاً: «اليوم أسعدنا خبر هلاك الطاغية».
*«كان داير يذبحني»
وفي إفادة أخرى، قال أحد الأسرى السابقين إن أبكرانك كان من المسؤولين عن تعذيب المعتقلين، وإنه تعرض شخصياً لموقف قال إنه ظن خلاله أنه سيُقتل.
وقال: «الزول دا كان داير يذبحني، تكاني للذبح».
وأضاف أنه كان يردد أثناء وجوده في السجن: «الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين»، مشيراً إلى أن تلك العبارة ارتبطت لديه باللحظات الأولى التي قضاها داخل المعتقل.
*«احفروا قبراً».. شهادة عن إعدام رهينة
وفي واحدة من أكثر الروايات قسوة، يروي أحد الأسرى السابقين أنه شاهد شخصاً أُحضر إلى الموقع، واتُّهم بأنه يعمل مع استخبارات الجيش.
وقال إن عناصر الموقع ساقوا معه عدداً من الأسرى، ثم أصدروا إليهم أمراً بحفر قبر.
وبحسب روايته، وبعد الانتهاء من الحفر، قال المسؤول عن المجموعة للرهينة: «انزل قيس مقاسك».
وأضاف أن الرجل نزل إلى القبر، قبل أن يُطلق عليه أحد العناصر رصاصة في الرأس أودت بحياته، ثم جاء شخص آخر وأطلق عليه رصاصة ثانية رغم أنه كان قد فارق الحياة.
وتُعد هذه الرواية، بحسب صاحبها، واحدة من المشاهد التي ظلت عالقة في ذاكرة الأسرى الذين عاشوا تلك الفترة.
*«حفلات التعذيب» تنتهي بالموت
وقال شاهد آخر إن ما كان يحدث في محطة «الطبية» لم يكن مجرد استجواب للمعتقلين، وإنما عمليات تعذيب متكررة، وصفها بأنها كانت في بعض الأحيان أشبه بـ«حفلات» يجتمع فيها عناصر من القوة حول الضحايا.
وأضاف، وفق روايته، أن تلك الجلسات كانت غالباً تنتهي بوفاة المعتقل، قبل أن يتفرق الموجودون ويتم استدعاء عناصر لدفنه.
وأشار إلى أن الضحايا لم يكونوا جميعاً من العسكريين، بل شملت المعتقلات، أسرى نظاميين ومواطنين.
*شهادات تعيد ملف المعتقلات إلى الواجهة
وتعيد هذه الإفادات عقب مقتل أبكرانك ملف المعتقلات التابعة لقوات المليشيا إلى الواجهة، خصوصاً ما يتعلق بالاتهامات الخاصة بالتعذيب والقتل خارج نطاق القانون وإخفاء جثامين الضحايا.
كما أثار أحد الأسرى السابقين تساؤلاً آخر بشأن عدد من عناصر الدعم السريع الذين قال إنهم أُوقفوا في سركاب، ثم جرى تحويلهم إلى القسم الأوسط، حيث شهد ضدهم عدد من الأشخاص وصدر بحقهم، حكم بالإعدام.
وقال إن المفاجأة تمثلت في بقائهم لاحقاً في سجن الهدى وعدم تنفيذ أحكام الإعدام بحقهم حتى الآن، متسائلاً عن أسباب استمرار الانتظار، وما إذا كانت الإجراءات القانونية الخاصة بهم قد اكتملت.
وأضاف متسائلاً: «ديل مفروض من سركاب يتحاكموا عسكرياً ويرحلوا الدروة، لا محاكم ولا شهود».
*«خبر هلاكه أعاد كل الذكريات»
وقال عدد من الناجين إن خبر مقتل أبكرانك لم يكن بالنسبة إليهم مجرد خبر عسكري، وإنما أعاد إلى الذاكرة تفاصيل فترة الأسر وما قالوا إنهم تعرضوا له أو شاهدوه داخل المعتقلات.
وبحسب إفاداتهم، فإن ما عاشوه في تلك الفترة لا يزال حاضراً في ذاكرتهم، خصوصاً أولئك الذين فقدوا أقارب أو زملاء داخل مواقع الاحتجاز.
وقال أحدهم إن خبر مقتل أبكرانك جاء بعد سنوات من الخوف، مضيفاً أن ما يريده الناجون هو توثيق ما حدث ومعرفة مصير الضحايا ومحاسبة من تثبت مسؤوليته.











