
تقرير _ عزة برس
أثارت توجيهات بنك السودان المركزي للمصارف بشأن تحديث بيانات العملاء وتصنيف حساباتهم جدلاً واسعاً خلال الأسابيع الماضية، بين من يرى في الخطوة إجراءً مصرفياً ورقابياً ضرورياً لحماية أموال العملاء ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ومن ينتقد الآلية التي نُفذت بها، ولا سيما قصر المهلة المحددة في البداية مقارنة بالعدد الكبير للعملاء والظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب.
وتصاعد الجدل مع تدافع أعداد كبيرة من العملاء أمام فروع بعض المصارف، خصوصاً بنك الخرطوم، في محاولة لاستكمال إجراءات تحديث البيانات، وسط شكاوى من اضطرار عملاء إلى السفر من مناطق إقامتهم إلى مدن تتوفر فيها فروع مصرفية، قبل أن يعود بعضهم دون إكمال الإجراءات.
وفيما يتعلق ببنك الخرطوم، اكتسبت الأزمة بعداً أوسع بالنظر إلى الانتشار الكبير لخدمة «بنكك»، التي أصبحت وسيلة رئيسية للتعاملات المصرفية الإلكترونية لقطاع واسع من السودانيين داخل البلاد وخارجها، ما أعاد طرح سؤال جوهري: إذا كانت ملايين العمليات المصرفية تتم إلكترونياً، فلماذا لا يكون تحديث بيانات العملاء متاحاً بالقدر نفسه عبر قناة رقمية آمنة؟
مهلة قصيرة وملايين العملاء
وكان بنك السودان المركزي قد أوضح في بيان أصدره في 16 أغسطس أن توجيه المصارف بتحديث بيانات العملاء وتصنيف حساباتهم بدأ منذ فبراير 2026، وذلك وفق الضوابط الرقابية والمتطلبات الدولية المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وأشار البنك المركزي إلى أن بعض المصارف أكملت عملية التحديث، فيما لا تزال العملية جارية في مصارف أخرى، قبل أن يعلن تمديد فترة التحديث حتى نهاية العام 2026، مراعاة لظروف العملاء وإتاحة فرصة كافية لاستكمال الإجراءات.
ويأتي التمديد بعد أن حدد تعميم صادر عن الإدارة العامة للرقابة على البنوك في 30 يوليو مهلة أقصاها شهران لتحديث بيانات العملاء، مع توجيه المصارف إلى إيقاف وتجميد حسابات العملاء الذين لم يستكملوا التحديث خلال الفترة المحددة.
وبينما رحب كثير من العملاء بتمديد المهلة، يرى آخرون أن المشكلة لا تتعلق بالمدة وحدها، وإنما بطبيعة الآلية نفسها، خصوصاً أن الوصول إلى الفروع ليس أمراً يسيراً بالنسبة إلى ملايين السودانيين الذين فرقتهم الحرب بين الولايات ودول الجوار.
الطريق إلى الفرع.. كلفة لا تظهر في القرار
خلال الفترة الماضية، شهدت فروع عدد من المصارف تدافعاً لافتاً من العملاء الراغبين في استكمال بياناتهم، الأمر الذي انعكس في صورة ازدحام وطوابير أمام بوابات بعض الفروع.
ويقول عملاء إن عملية التحديث تحولت بالنسبة لبعضهم إلى رحلة مكلفة، اضطروا خلالها إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى مدينة تتوفر فيها فروع مصرفهم.
وفي ظل الحرب، لا يمثل السفر مجرد تكلفة مالية، بل قد يعني ساعات أو أياماً من الانتقال، ومخاطر أمنية ولوجستية لمن هم اقرب أو داخل مناطق ما زالت تحت وابل الرصاص، فضلاً عن صعوبة الوصول إلى الفروع بالنسبة لكبار السن والمرضى والنازحين والمقيمين خارج السودان.
ويقول بعض العملاء إنهم قطعوا المسافات إلى الفروع ثم عادوا دون إكمال الإجراءات، ما جعل القضية تتجاوز كونها مجرد تحديث روتيني للبيانات إلى مسألة تتعلق بقدرة النظام المصرفي على الوصول إلى عملائه في ظروف استثنائية.
هل المشكلة في التحديث أم في طريقة تنفيذه؟
مصرفياً، لا تبدو فكرة تحديث بيانات العملاء جديدة أو استثنائية.
ويشير خبير مصرفي، “وليد دليل”، إلى أن تحديث بيانات العملاء في الأصل عملية مستمرة وليست إجراءً مؤقتاً مرتبطاً بمهلة زمنية محددة، موضحاً أن العلاقة بين المصرف والعميل تبدأ بجمع البيانات الأساسية وفق متطلبات «اعرف عميلك» (KYC)، ثم إنشاء ملف العميل المصرفي (CIF) الذي ترتبط به حساباته وخدماته المصرفية.
وبحسب رؤيته، فإن تحديث بيانات العميل يفترض أن يكون جزءاً من العمليات المصرفية المستمرة، سواء من خلال الأنظمة الإلكترونية الحديثة أو، عند الحاجة، عبر إجراءات يدوية.
ويرى” دليل” أن الجدل الذي صاحب الإجراءات الأخيرة كان يمكن الحد منه بدرجة كبيرة عبر توعية العملاء مسبقاً بطبيعة التحديث وأهدافه، وتوضيح المهلة، وآليات التنفيذ، وما سيترتب على عدم الاستجابة.
لماذا يحتاج النظام المصرفي إلى التحديث أصلاً؟
في المقابل، فإن الانتقادات الموجهة إلى آلية التنفيذ لا تلغي أهمية الغرض الرقابي من تحديث البيانات.
فالمصارف مطالبة قانونياً ورقابياً بمعرفة عملائها ومراقبة حركة الحسابات واكتشاف المعاملات غير المعتادة، خصوصاً تلك التي قد ترتبط بغسل الأموال أو تمويل الإرهاب أو التحويلات المحظورة أو غيرها من الأنشطة المالية غير المشروعة.
كما أن وجود بيانات محدثة يساعد المصارف على حماية العملاء أنفسهم من الاحتيال وسوء استخدام الحسابات، ويعزز قدرتها على التعامل مع المؤسسات المالية والمصارف المراسلة خارج السودان.
ومن هذه الزاوية، فإن الخلاف الحقيقي ليس حول مبدأ تحديث البيانات، وإنما حول أفضل وسيلة لتنفيذه دون تعطيل مصالح العملاء أو إرهاقهم.
البديل الرقمي.. من الطوابير إلى الهاتف
هنا تبرز الحاجة إلى تطوير مسار رقمي متكامل لتحديث بيانات العملاء.
فبنك السودان المركزي أشار في بيانه الأخير إلى أن العمل يجري على استخدام الهوية الرقمية SudaPass في تحديث البيانات، وهي خطوة يمكن أن تمثل مدخلاً مهماً لمعالجة جانب من الأزمة إذا جرى تنفيذها بصورة عملية وآمنة وعلى نطاق واسع.
لكن نجاح هذا الخيار يتطلب أكثر من مجرد الإعلان عنه.
فالمطلوب أن يتمكن العميل من تحديث بياناته والتحقق من هويته عبر تطبيق مصرفي أو منصة إلكترونية معتمدة، مع استخدام وسائل تحقق متعددة تضمن سلامة العملية، وربطها بالهوية الرقمية الوطنية، وإتاحة مسارات بديلة لمن لا يستطيعون استخدام الخدمات الرقمية.
كما ينبغي أن تراعي الحلول الرقمية أوضاع السودانيين خارج البلاد والنازحين داخل السودان، وهم من أكثر الفئات حاجة إلى الخدمات المصرفية والتحويلات المالية.
النازحون.. الاختبار الأصعب
تزداد أهمية الحل الرقمي في بلد أفرزت الحرب فيه ملايين النازحين، فقداناً للوثائق، وتغييراً مستمراً في أماكن الإقامة.
وفي مثل هذه الظروف، فإن افتراض قدرة جميع العملاء على الوصول إلى فرع مصرفي قد لا يكون واقعياً.
كما أن الاعتماد الكامل على الهوية الرقمية دون توفير آليات للوصول إلى من لم يتمكنوا من التسجيل أو فقدوا مستنداتهم قد يؤدي إلى خلق فجوة جديدة بين العملاء القادرين على استكمال إجراءاتهم إلكترونياً وأولئك الذين حالت الحرب دون ذلك.
لذلك، فإن التحول الرقمي ينبغي أن يسير بالتوازي مع نقاط تسجيل وتحقق متنقلة، وحلول للعملاء الموجودين خارج السودان، وآليات خاصة للحالات الإنسانية والاستثنائية.
تمديد المهلة.. حل مؤقت أم بداية لإعادة النظر؟
يمثل تمديد المهلة حتى نهاية العام خطوة تخفف الضغط عن العملاء والمصارف في آن واحد، لكنها لا تحسم الجدل حول آلية التنفيذ.
فإذا كانت المشكلة الأساسية هي ضيق الوقت، فإن التمديد يعالجها جزئياً.
أما إذا كانت المشكلة في اعتماد نموذج يضع عبء التحديث بصورة كبيرة على الفروع والعملاء، فإن الحاجة ستظل قائمة إلى إعادة تصميم العملية نفسها.
والأهم أن تكون هناك رسالة موحدة وواضحة من البنك المركزي والمصارف حول ما هو مطلوب من العميل، والقنوات المعتمدة للتحديث، وما إذا كان التحديث الإلكتروني متاحاً، ومتى يصبح متاحاً، وما مصير الحسابات التي لم تستكمل بياناتها لأسباب خارجة عن إرادة أصحابها.
المطلوب.. توازن بين الرقابة وحق العميل
من الضرورة بمكان انه لا يمكن لأي نظام مصرفي حديث أن يستغني عن تحديث بيانات العملاء أو عن أنظمة مراقبة العمليات المالية. كما لا يمكن تجاهل المتطلبات الدولية المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب كمسألة أمن قومي في المقام الأول وهذا أمر بيد السلطات العليا بالدولة.
لكن تطبيق هذه المتطلبات في السودان يحتاج إلى مراعاة واقع مختلف فرضته الحرب والنزوح واتساع رقعة البلاد وتوزع ملايين العملاء داخل السودان وخارجه.
ومن هنا تبدو الحاجة إلى معادلة أكثر توازناً مثلا
رقابة مصرفية صارمة، لكن بآليات مرنة.
بيانات محدثة، لكن دون إرهاق العميل. أو مثلا
التزام بالمتطلبات الدولية، لكن مع مراعاة ظروف الحرب. فضلا وهو الأهم حلول رقمية آمنة، تقلل الاعتماد على الحضور الشخصي والطوابير.
فإذا كان الهاتف المحمول قد أصبح بوابة الملايين إلى حساباتهم المصرفية عبر التطبيقات، فإن السؤال المنطقي الذي فرضته أزمة تحديث البيانات هو: لماذا لا يصبح الهاتف نفسه بوابة آمنة وموثوقة لتحديثها؟











