
وكالات _ عزة برس
إيثار شلبي- بي بي سي نيوز عربيو Author,باتريشيا وايتهورن – بي بي سي أفريقي
تحمل أميرة، البالغة من العمر 17 عاماً، طفلها الصغير بين ذراعيها في هدوءٍ ثقيل لا يشبه عمرها. تنظر إليه طويلاً قبل أن تبدأ حديثها معي، وكأنها تحاول أن تُمسك بتفاصيل ما حدث كي لا يتكرر.
“ابني هذا من دون أب، ولا شهادة ميلاد، ولا رقم وطني. حتى استخراج شهادة ولادة من المستشفى يحتاج لبيانات غير موجودة” هكذا تقول أميرة (اسم مستعار)، التي كانت تقيم في أحد الأحياء الشرقية لمدينة الفاشر في إقليم دارفور.
خلال الاشتباكات التي تجددت في المدينة العام الماضي، انقلبت حياة أميرة تماماً، أثناء فرارها مع أسرتها نحو مناطق أكثر أمناً، حيث اختطفها ثلاثة مسلحين، واحتجزوها قرابة شهرين.
تروي بصوت منخفض: “عصبوا عيني وأخذوني إلى منطقة تابت جنوب الفاشر. سُجنت في غرفة لمدة شهرين، وكان أحدهم يغتصبني يومياً، بالتناوب مع الآخرين”.
إعلان
وبعد أسابيع من الاحتجاز، علمت أنها حامل، وأُلقي بها لاحقاً على أطراف معسكر زمزم للنازحين، لتبدأ رحلة أخرى من النزوح والعلاج في مدينة طويلة، حيث وُلد طفلها بعد أشهر من الحمل والرعاية الطبية، قبل أن يلتئم شملها مع أسرتها.
لكن الرحلة لم تنتهِ عند الولادة.
صورة تمثيلية لـ”أميرة” وهي في غرفة شبه مظلمة يظهر بها ظل لرجل يدخل من الباب
التعليق على الصورة،تقول “أميرة” إنها تُركت على أطراف مخيم زمزم بعدما تبين أنها حامل
صورة تعبيرية تظهر “أميرة” ملقاة في منطقة بالقرب من مخيم زمزم الواقع بجامب منطقة تابت في الفاشر
التعليق على الصورة،ترك مسلحون “أميرة” بالقرب من مخيم زمزم للنازحين بعدما تبين أنها حامل
اليوم، بعد أشهر من رؤية طفلها الحياة، تقف “أميرة” أمام عقبة جديدة: طفل بلا شهادة ميلاد، بلا رقم وطني، وبلا اعتراف رسمي بهويته القانونية.
تقول: “لا أستطيع تطعيمه، ولا تسجيله في الروضة أو المدرسة… أخاف عليه من المستقبل لأنه غير مسجل أصلاً…ظروفي الاقتصادية صعبة جداً، ولا أستطيع علاجه أو رعايته، أو حتى الذهاب للعمل خوفاً من التعرض للعنف مرة أخرى”.
قصة “أميرة”، بحسب العاملين في مجال الحماية، ليست حالة فردية، بل جزء من واقع واسع يتكرر في مناطق النزاع في السودان.
يقول أبو بكر يوسف يعقوب، مدير برامج الحماية في مؤسسة “ندى الأزهار” لدرء الكوارث والتنمية المستدامة لبي بي سي، إن حالات الأطفال المولودين في ظروف العنف والنزاع تتزايد بشكل كبير في السودان، خاصة في سياقات النزوح والكوارث.
ويضيف أن النساء والفتيات – وخاصة القاصرات – هن الأكثر عرضة للعنف، بما في ذلك العنف الجنسي، ما يؤدي إلى ولادة أطفال في ظروف معقدة، غالباً من دون معرفة الأب.
وتخلق هذه الحالات سلسلة من المشكلات تبدأ من لحظة الولادة، إذ يقول: “الأم تكون في الغالب وحدها، وأحياناً تكون هي نفسها طفلة تحتاج إلى رعاية، ما يحدّ من قدرتها على تربية طفلها. كما تظهر تحديات صحية تتعلق بضعف متابعة التطعيمات الأساسية، التي تبدأ منذ الولادة وتمتد خلال السنوات الأولى من حياة الطفل”.
ويؤكد أبو بكر أن المشكلة الأكبر تكمن في غياب التسجيل الرسمي للأطفال المولودين نتيجة اغتصاب ويكونون غير معروفي الأب: “تسجيل الطفل يحتاج إلى بيانات وهوية ورقم وطني وشهادة ميلاد، لكن في حالات غياب الأب أو عدم معرفته، يصبح الأمر بالغ الصعوبة”.
ويحذّر من أن هذا الوضع لا يتوقف عند الطفولة المبكرة، بل يمتد إلى المستقبل، فالمشكلة تظهر عند دخول الروضة، ثم المدرسة، ثم لاحقاً عند السفر أو استخراج الوثائق الرسمية.
غياب المقرات الحكومية بسبب الحرب يعطل عملية تسجيل الأطفال غير معروفي الأب في السودان
ليس من السهل الحصول على بيانات عن الأطفال الذين وُلدوا نتيجة الاغتصاب، وذلك لأسباب مختلفة، من أهمها الوصمة الاجتماعية، هذا ما أكدته شذى نجم الدين، مديرة مؤسسة “ندى الأزهار”، التي تحدثت لنا من بورسودان.
تقول: “السيدات اللواتي يتعرضن لمثل هذه الاعتداءات لا يشعرن بالراحة للإبلاغ عن ذلك… وللأسف فإن غالبية أمهات هؤلاء الأطفال هن أنفسهن أطفال، فتيات دون سن الثامنة عشرة. لذلك لا يستطعن اتخاذ قرار الذهاب رسمياً إلى المحكمة أو قسم الشرطة، إذ يحتجن إلى مرافقة أولياء أمورهن”.
وأشارت إلى أن 90 في المئة من الحالات التي توثّقها المؤسسة، ترفض فيها العائلات السماح بالإبلاغ رسمياً عن الاعتداءات الجنسية التي تعرضت لها الفتيات وأفضت إلى حمل.
ونتيجة لعدم تسجيل الأطفال غير معلومي الأب، قد ينشأ جيل كامل من أطفال السودان بلا هوية، تقول شذى: “كامرأة سودانية، فإن خوفي وقلقي الأكبر تجاه الأطفال المولودين نتيجة الاغتصاب هو أننا أمام جيل كامل، قادم سيعيش تحت الوصمة والخطر والخوف. هؤلاء الأطفال لن يحظَوا باحترام المجتمع، ولن تتم حماية رفاههم بشكل حقيقي، وفوق كل ذلك لن يحصلوا على الخدمات ولا على حقوقهم”.
وتضيف: “هذا يدفع بهم إلى وضع غير إنساني تماماً، ويتم التعامل معهم وكأنهم ليسوا بشراً كاملين”.
يقر قانون الطفل لعام 2010 بحق الطفل في التسجيل والهوية، سواء عبر الأب أو الأم
يمنح القانون السوداني لعام 2010 الطفل مجهول الأب حقه في الحصول على الهوية، لكن ضعف المؤسسات وتراجع الخدمات في مناطق النزاع، خاصة في دارفور، أدّيا إلى فجوة كبيرة بين النص القانوني والتطبيق الفعلي.
وقبل صدور قانون الطفل لعام 2010، كان الإطار القانوني المتعلق بالأطفال في السودان عبارة عن مزيج متداخل من قانون الطفل لعام 1993، وقانون الأحوال الشخصية للمسلمين لعام 1991، وقانون الجنسية لعام 1994.
وجاء تشريع عام 2010 خصيصاً لمعالجة “فجوات الحماية” والتوجهات التمييزية القاسية التي كانت تتضمنها تلك القوانين السابقة.
وفي هذا الإطار، تقول مجيدة إدريس – المحامية السودانية المختصة في شؤون الأطفال – إن القانون السوداني لا يحرم هؤلاء الأطفال من الحق في التسجيل، حتى في حالات الولادة خارج إطار الزواج.
ويقر قانون الطفل لعام 2010 بحق الطفل في التسجيل والهوية، سواء عبر الأب أو الأم.
تقول مجيدة: “الآن قانون الطفل لعام 2010 هو الأفضل لأنه عالج كل ما يخص الأطفال حتى خارج إطار الزوجية، فلهم حق التسجيل في سجل المواليد ويحملون أسماء وشهادات ميلاد وكذلك الجنسية السودانية (الرقم الوطني). ففي هذا القانون تبرز مصلحة الطفل الفضلى”.
وتبدأ إجراءات التسجيل بتقديم بلاغ من الأم في حال تعرضها لاعتداء، ثم يتم التوجه إلى الشؤون الاجتماعية لتسجيل الواقعة، وبعدها تُحال البيانات إلى السجل المدني، حيث يُسجل الطفل باسم الأم ويُمنح اسماً رباعياً وفق الإجراءات القانونية.
لكنها تؤكد أن الواقع في ظل الحرب مختلف تماماً، خاصة في دارفور، حيث أدى استمرار النزاع إلى انهيار الخدمات المدنية وتعطل مكاتب السجل المدني، ما تسبب في وجود آلاف الأطفال غير المسجلين رسمياً.
تقول: “غياب الوثائق لا يعني فقط غياب ورقة رسمية، بل يعني حرمان الطفل من التعليم والرعاية الصحية والاعتراف القانوني به”.
وتدعو إدريس إلى تفعيل مكاتب السجل المدني في المناطق الممكن الوصول إليها، وتكثيف الجهود الحقوقية لضمان حصول الأطفال على حقهم في الهوية والاعتراف القانوني.
جيل على هامش السجلات
بين شهادات الناجين وتحذيرات المختصين، تتكشف صورة أكثر اتساعاً: أطفال يولدون في قلب الحرب، لكنهم لا يجدون مكاناً في دفاتر الدولة.
في ظل النزاع، لم يعد غياب الورق مجرد مشكلة إدارية، بل يتحول إلى تهديد مباشر لمستقبل كامل، جيل قد يكبر دون هوية، دون تعليم، ودون اعتراف قانوني بوجوده.
ويبقى السؤال الأعمق معلقاً: كم طفلاً في السودان يعيش اليوم خارج السجل… وخارج الحقوق؟











