
في السابع والعشرين من مارس، وبينما يرفع العالم ستائره احتفاءً بـ اليوم العالمي للمسرح، يجد المسرحي السوداني نفسه يقف على خشبةٍ من نوعٍ خاص؛ خشبةٍ لا تحدّها جدران المسرح القومي العتيق في أمدرمان فحسب، بل تمتد لتشمل مخيمات النزوح، وشوارع المنافي، وأزقة المدن التي لم يغادرها الأمل بعد.
لم يكن المسرح في السودان يوماً مجرد ترفيهٍ عابر، بل كان منذ ستينيات القرن الماضي رئةً يتنفس من خلالها الشعب طموحاته السياسية والاجتماعية. واليوم، وفي ظل الظروف الأمنية والسياسية المعقدة، يتحول هذا الفن إلى “مقاومة ثقافية” حقيقية. إن تمسك المسرحيين السودانيين بإحياء هذه الذكرى، من أمدرمان إلى عروس الرمال (الأبيض) وود مدني، هو إعلان صريح بأن “صوت الفن” أقوى من “دوي المدافع”.
لا يمكن الحديث عن المسرح السوداني دون الانحناء تقديراً لقامات شيدت هذا الصرح بجهدها وعرقها. ونحن نحتفل، نستحضر بفيض من المحبة الأستاذة القديرة فايزة عمسيب، تلك القامة التي ربطتني بها ذكريات خاصة، بجانب بصماتها الإبداعية التي لا تُنسى، وظلت رمزاً للأصالة السودانية.
كما يمتد السلام لكل المسرحيين الذين حملوا عبق السودان إلى المهجر، لا سيما المبدعين في مدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية، الذين حافظوا على الهوية المسرحية حيةً في غربتهم. وفي غمرة هذا الاحتفاء، لا ننسى أن نقف وقفة ترحم وإجلال لروح الفقيد الراحل عبد العظيم حمدنالله؛ ذلك الفنان الذي جمعتنا به القاهرة في رحلة إبداعية وصحبة إنسانية ستبقى محفورة في الوجدان.
تتجلى عظمة المسرح السوداني في هذه المرحلة من خلال نقاط جوهرية تشمل : الوحدة الجغرافية، فرغم التشتت، تلتقي فرقة فنون كردفان ومسارح الجزيرة مع مبدعي الخرطوم لتقديم خطاب موحد، فتكون رسالة السلام بعروض مثل (حبوبة الضل الفسيح) ليست مجرد نصوص، بل هي دعوات لتعزيز التعايش السلمي ونبذ لغة الحرب.
وفي الريادة العالمية يبقى السفير علي مهدي منارةً مسرحية رفعت اسم السودان في المحافل الدولية، مؤكداً أن المسرح السوداني جزء أصيل من النسيج الثقافي العالمي.
إن إصرار المسرحيين السودانيين على قراءة رسالة اليوم العالمي للمسرح باللغة العربية، وإقامة الفعاليات في قلب الأزمات، هو تأكيد على أن الخشبة هي أداة التغيير الأبقى. فالمسرحي لا يعتزل طالما هناك وطن يحتاج إلى كلمة طيبة، وشعب يحلم بفجر جديد.
كل عام والمسرحيون السودانيون بخير، يزرعون الجمال في أرض أتعبتها الحروب، ويحصدون المحبة في قلوب الجماهير.











