الأخبار

بين جولات البرهان ومشاهد الآخرين… شتان ما بين هذا وذاك .. أمل أبو القاسم

منذ أن استعادت العاصمة الخرطوم قدراً من الاستقرار، وقبل حتى انتقال الحكومة من العاصمة المؤقتة بورتسودان، بدا الفريق أول عبد الفتاح البرهان وكأنه يختار مساراً مختلفاً في إدارة حضوره السياسي والاجتماعي. لم تكن تحركاته محصورة في المكاتب أو القاعات الرسمية، بل اتخذت طابعاً ميدانياً مباشراً؛ زيارات عزاء لأسر الشهداء، جولات مفاجئة في ولايات آمنة، ولقاءات عفوية مع مواطنين في الأسواق والأحياء.

ذلك الحضور المتكرر، دون ترتيبات مسبقة أو مظاهر رسمية صارخة، أعاد إلى الأذهان سيرة قادة ارتبطت صورتهم بالاقتراب من الناس، حتى شبّه البعض تلك الجولات بمحاولات اقتفاء أثر نهج الخليفة عمر بن الخطاب في تفقد الرعية ومخالطتهم مع اختلاف الظروف.

ومع انتقال الحكومة إلى الخرطوم، اتسعت رقعة تلك الجولات. صار القائد العام يظهر فجأة في سوق شعبي أو شارع مزدحم، يستمع إلى الشكاوى ويوجه المسؤولين ميدانياً. وفي شهر رمضان، اتخذت زياراته بُعداً رمزياً إضافياً؛ إذ تحولت وجهته نحو الجنود في المعسكرات، يشاركهم وجبة الإفطار على الأرض، في رسالة تحمل أبعاداً معنوية تتجاوز البروتوكول إلى تعزيز الروح المعنوية في صفوف القوات.

هذه التحركات، بصرف النظر عن تقييمها السياسي، تعكس إدراكاً لأهمية الصورة العامة في زمن الحرب؛ فالقائد الذي يظهر بين مواطنيه وجنوده يبعث برسالة طمأنة، ويؤكد أن الدولة – رغم النزاع – ما زالت حاضرة في الميدان. وربما لذلك تحظى تلك الجولات بتفاعل شعبي لافت، حيث يخرج المواطنون بعفوية لتحيته والتأكيد على دعمهم للمؤسسة العسكرية.
في المقابل، تبدو صورة قائد المليشيا مختلفة؛ حضور محدود، وتنقلات خارجية أو قل هروب واختباء، وغياب عن المشهد المحلي الذي تدور فيه الأحداث. رغم اعلانهم حكومة موازية، إلا أن غياب رموزها عن الأرض جعل الفجوة بين الخطاب والواقع أكثر وضوحاً لدى قطاعات واسعة من الشارع الذي ينفر منهم ويتعايش معهم على طريقة ( مكره أخاك لا بطل).

إقليمياً، تبرز مفارقة أخرى. فوسط الاتهامات المتكررة والموثوقة لدور خارجي في تغذية النزاع، تطل تطورات الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة لتعيد ترتيب المشهد في الخليج. ومع تداول أنباء عن استهداف مواقع داخل الإمارات والتي تحولت مدنها بين عشية وضحاها الى مدينة أشباح، ظهر محمد بن زايد آل نهيان في جولة داخل أحد المراكز التجارية، في مشهد حاول بدوره إرسال طمأنة داخلية وقد تردد قصف هذا المول في ذات الليلة.

هنا تتقاطع الصور: قائد يتجول في أسواق مدينته بعد حرب مدمرة فتتضاعف شعبيته، وآخر يظهر في فضاء تجاري لاحتواء شائعات القصف، وثالث يغيب عن المشهد المحلي إلا لماما وباهتا. بيد ان الفارق ليس في الحركة ذاتها، بل في سياقها ودلالاتها السياسية والنفسية وشتان ما بين هذا وذاك، وسبحان مقلب الأحوال.

في أزمنة النزاعات، لا تُقرأ الجولات باعتبارها مجرد تنقلات، بل بوصفها رسائل. رسالة قرب، أو رسالة تحدٍ، أو ربما محاولة نفي. ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تصنع هذه الصور واقعاً جديداً، أم تعكس فقط صراعاً موازياً على كسب الرأي العام في معركة تتجاوز الميدان العسكري إلى ميدان الرمزية والوجدان الشعبي؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *