السودان بين نارين: جرائم الدعم السريع وانكشاف المشهد الإستراتيجي بقلم: اللواء أركان حرب / أشرف فوزي الخبير الأمني والاستراتيجي

.
المشهد العام للأزمة السودانية: دولة في قلب العاصفة المركبة
لم يعد الصراع الدائر في السودان مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل تحوّل إلى أزمة استراتيجية شاملة تهدد بنية الدولة السودانية ومؤسساتها السيادية، في ظل تصاعد الانتهاكات واتساع رقعة العمليات داخل المدن والمناطق الحيوية. فالمشهد الراهن يعكس حالة انكشاف أمني ومؤسسي غير مسبوقة، حيث لم تعد المعركة مقتصرة على السيطرة الميدانية، بل امتدت لتطال استقرار الدولة ووظائفها الأساسية، وهو ما يضع السودان أمام تحدٍ تاريخي يرتبط بالحفاظ على وحدة الدولة ومنع تفكك مؤسساتها.
إن تطورات الميدان خلال المرحلة الأخيرة تؤكد أن طبيعة الصراع دخلت مرحلة أكثر تعقيداً، تتداخل فيها الأبعاد العسكرية مع السياسية والإنسانية والاقتصادية، بما يجعل الأزمة السودانية واحدة من أخطر الأزمات المركبة في الإقليم من حيث التأثيرات بعيدة المدى على الأمن القومي والاستقرار الإقليمي.
طبيعة الانتهاكات وتأثيرها على البيئة المدنية والبنية المجتمعية
تشير المؤشرات الميدانية إلى أن تصاعد العمليات داخل البيئات الحضرية أسهم في مضاعفة الكلفة الإنسانية للصراع، حيث أصبحت المناطق السكنية والمرافق الحيوية ضمن نطاق التأثير المباشر، ما أدى إلى موجات نزوح واسعة، وتراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية، وتعطّل قطاعات حيوية تمثل عصب الدولة.
وأضاف الخبير الأمني الاستراتيجي أن استمرار الانتهاكات في البيئات المدنية لا يهدد الأمن الإنساني فقط، بل يضرب في عمق التماسك المجتمعي، ويؤدي إلى تفكك النسيج الوطني، وخلق حالة من عدم الاستقرار النفسي والاجتماعي، وهو ما يمثل خطراً استراتيجياً طويل المدى يتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.
التحول العسكري: من الحسم العملياتي إلى الاستنزاف الاستراتيجي
من الناحية العسكرية، يعكس المشهد السوداني انتقالاً واضحاً من نمط الحسم السريع إلى نمط الاستنزاف طويل المدى، حيث تعتمد العمليات على الانتشار داخل المدن والسيطرة على النقاط الحيوية وإطالة أمد المواجهات داخل بيئات معقدة عملياتياً وأمنياً.
واستطرد الخبير الأمني الاستراتيجي أن هذا النمط من الحروب غير المتناظرة يؤدي إلى إنهاك تدريجي لمؤسسات الدولة، واستنزاف الموارد العسكرية والاقتصادية، كما يزيد من صعوبة إدارة العمليات النظامية داخل المدن، ويضاعف من كلفة أي حسم عسكري تقليدي في ظل تداخل الجبهات مع الكثافة السكانية.
الانكشاف المؤسسي وتآكل هيبة الدولة السودانية
إن استمرار الانتهاكات وتدمير البنية التحتية الحيوية يسهمان بشكل مباشر في تآكل مؤسسات الدولة التنفيذية والخدمية، وهو ما يخلق فراغاً مؤسسياً وأمنياً بالغ الخطورة. ومع اتساع نطاق العمليات، تتراجع قدرة الدولة على بسط سيطرتها الكاملة، ما ينعكس على هيبة الدولة ووحدة القرار السيادي.
وأضاف الخبير الأمني الاستراتيجي أن أخطر ما يواجه الدولة السودانية في المرحلة الراهنة ليس فقط التحدي العسكري، بل حالة التآكل المؤسسي المتسارع، لأن إضعاف مؤسسات الدولة يفتح المجال أمام تعدد مراكز القوة المسلحة، ويهدد بتعقيد المشهد الأمني والسياسي على المدى الطويل.
البعد الجيوسياسي للأزمة وتأثيرها على الأمن الإقليمي
يحتل السودان موقعاً جيوسياسياً بالغ الحساسية في معادلة الأمن الإقليمي، باعتباره حلقة وصل استراتيجية بين شمال إفريقيا والقرن الإفريقي ومنطقة الساحل، وهو ما يمنح الأزمة السودانية بعداً يتجاوز الإطار الداخلي إلى نطاق التأثير الإقليمي المباشر.
إن استمرار الصراع وتصاعد الانتهاكات قد يؤديان إلى تدفقات نزوح عابرة للحدود، وانتشار السلاح غير المنضبط، وتهديد أمن الحدود الإقليمية، بما يخلق بيئة أمنية هشة قد تستغلها جماعات مسلحة أو شبكات عابرة للحدود، وهو ما يمثل تهديداً مباشراً للاستقرار الإقليمي بأكمله.
التحليل الاستخباراتي للمشهد وتوازنات القوى
القراءة الاستخباراتية لطبيعة الصراع تشير إلى أن المشهد السوداني لم يعد صراعاً عسكرياً تقليدياً بقدر ما أصبح صراع نفوذ مركب، تتداخل فيه حسابات الميدان مع معادلات التأثير السياسي والاستراتيجي.
فالصراع الحالي يعكس معركة إرادات طويلة المدى تهدف إلى فرض واقع ميداني ينعكس بالضرورة على موازين القوة السياسية داخل الدولة.
كما أن تعدد الفاعلين المسلحين وتباين مناطق النفوذ يخلق حالة من السيولة الأمنية، ويزيد من تعقيد معادلة الحسم، وهو ما يطيل أمد الصراع ويحول دون تحقيق استقرار سريع، خاصة في ظل بيئة عملياتية تتسم بالتداخل الجغرافي والسكاني.
تداعيات الاستنزاف على الاقتصاد والأمن القومي
إن استمرار الصراع داخل المدن يؤدي إلى شلل اقتصادي تدريجي نتيجة توقف الأنشطة الإنتاجية وتعطل سلاسل الإمداد وتراجع الاستثمارات، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على الاستقرار المعيشي للمواطنين وعلى قدرة الدولة على إدارة مواردها الاستراتيجية.
كما أن تدمير البنية التحتية الحيوية يضاعف من كلفة إعادة الإعمار مستقبلاً، ويؤخر مسارات التعافي الوطني لسنوات طويلة، ما يشكل ضغطاً مركباً على الاقتصاد الوطني والأمن القومي في آن واحد.
الأبعاد الاجتماعية والنفسية للصراع الممتد
لا تقتصر آثار الصراع والانتهاكات على الجوانب العسكرية والاقتصادية، بل تمتد إلى الأبعاد الاجتماعية والنفسية، حيث يؤدي النزوح القسري وفقدان الأمن وتعطل التعليم والخدمات إلى خلق أزمات مجتمعية عميقة قد تستمر آثارها لعقود.
إن المجتمعات التي تتعرض لصدمات أمنية ممتدة تصبح أكثر عرضة لحالات الاحتقان والانقسام، ما يعقّد أي مسار مستقبلي للمصالحة الوطنية ويؤثر على استقرار الدولة على المدى البعيد.
السيناريوهات الاستراتيجية لمستقبل الأزمة السودانية
تشير التقديرات الاستراتيجية إلى أن استمرار الانتهاكات واتساع رقعة العمليات قد يدفع السودان نحو سيناريو الاستنزاف طويل المدى، أو اتساع نطاق الصراع جغرافياً، أو الدخول في مسار سياسي مشروط بإعادة ترتيب المشهد الأمني ووقف الانتهاكات داخل البيئات المدنية.
وأضاف الخبير الأمني الاستراتيجي أن إطالة أمد الصراع دون تسوية شاملة قد تؤدي إلى إنهاك مؤسسات الدولة، وتراجع قدرتها على فرض السيطرة، وهو ما يمثل تهديداً مباشراً لوحدة الدولة السودانية واستقرارها الاستراتيجي.
متطلبات الاستقرار وإعادة بناء الدولة على أسس سيادية
إن استعادة الاستقرار في السودان تتطلب رؤية استراتيجية شاملة ترتكز على إعادة بناء المؤسسات الأمنية على أسس وطنية مهنية، وتعزيز سيادة القانون، وإعادة تفعيل مؤسسات الدولة الخدمية والاقتصادية، بما يعيد التوازن بين الأمن والاستقرار المؤسسي.
كما أن وقف الانتهاكات وحماية المدنيين يمثلان الركيزة الأساسية لأي عملية استقرار حقيقية، لأن الأمن الإنساني يشكل الأساس الصلب لأي استقرار سياسي أو أمني مستدام داخل الدولة.
الخاتمة
السودان اليوم يقف أمام مفترق طرق استراتيجي بين مسار الانكشاف المؤسسي والاستنزاف الممتد، ومسار استعادة الدولة لهيبتها ودورها السيادي.
واختتم الخبير الأمني الاستراتيجي بالتأكيد على أن الحفاظ على وحدة الدولة السودانية يتطلب معالجة شاملة تتجاوز الحلول العسكرية الضيقة، عبر استراتيجية متكاملة تجمع بين الحسم الأمني الرشيد، والمعالجة السياسية الواعية، والدعم الإقليمي المنضبط، مشدداً على أن وقف الانتهاكات واستعادة مؤسسات الدولة يمثلان حجر الأساس لحماية الأمن القومي السوداني ومنع انزلاق الدولة إلى دوامة الفوضى الممتدة التي تهدد استقرار الإقليم بأسره











