الشيخ الأمين عمر الأمين يكتب: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾

_منذ رحيل خالد، والمشهد يزداد وجعًا؛ كأن الشهداء يودّع بعضهم بعضًا، أخٌ يسبق أخاه إلى العلياء، وبين الرحيلين أربعة أيام فقط، لكنها كانت كافية لآلامٍ بحجم أعوامٍ لنا، وتاريخًا من الفخر وطيب الأثر لا يُنسى، بل يبقى ما بقي الدهر لهم.
_اليوم نقترب من صورة ثالث شهداء المسيد…
فتىً صغير السن، عظيم الهمة، ثابت الجَنان، أكبر من عمره بكثير، وأوسع من خوف الدنيا كلها.
ذلك الذي عرفه حيّ العرضة شجاعًا، بمثابة شريان حياة لهم قبل أن يعرفه الناس شهيدًا: ابننا الشهيد ابن عمر بشير، وهو الأخ الأصغر للفنان الكبير مكانةً، الصغير سنًا، حمادة بشير.
_لم يكن صِغَر سنّ ابن عمر حاجزًا أمام شجاعته، ولا سببًا لتراجعه، حتى حين كان يُمنع من الخروج في شدة الاشتباكات.
كان يتقدّم الصفوف بقلبٍ مطمئن، يواجه الخطر بصدرٍ مفتوح، وكأنه يستحضر قول الله تعالى:
﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا﴾.
_فلم يعرف التردد طريقًا إليه، ولم يتخذ الخوف ملجأً..
كان يتفقد الأُسَر في حيّ العرضة، بحكم سكن أسرته هناك، فيمضي إلى المسيد حاملًا منه الدواء والماء، في زمنٍ اشتد فيه العطش لدرجة انعدام مياه الشرب.. كان يقود الدفّار باحتراف وبراعة، رغم أن العربة تعرّضت في مرة من المرات لإصابة خطِرة، ولكن باحتراف وعناية من الله وصل بأمان.
لم يقل: ما شأني أنا؟
بل كان يسأل: من يحتاجني الآن؟
وهكذا تُصنع الشجاعة حين تقترن بالهمة كنحلة، سكن الإيمان قلبه الغضّ الذي لم تلوّثه الدنيا.
_وكان ابن عمر يرافق عربة المؤن المتجهة لإحضار الخضار يوميًا للمسيد، لا يعتذر بالخطر ولا يستتر، ليس تهوّرًا، بل يقينًا بالله.
_حتى جاء ذلك اليوم الذي احتدمت فيه الاشتباكات في الطريق المؤدية إلى سوق ليبيا، وكان جالسًا في العربة ولم يكن يقود، فأصابته رصاصة في الرأس، حملها الجسد اليافع بثبات الرجال، ثم ارتقى شهيدًا متأثرًا بها بعد يوم.
_حيث تمت محاولة إسعافه لكن دون جدوى، لأن إصابته كانت تحتاج إلى مستشفى، وفاضت روحه الطاهرة.
_أربعة أيام فقط كانت بين جرحٍ وجرح، وبين وداعٍ ووداع.
أربعة أيام منذ أن نعى ابن عمر أخاه الشهيد خالد، نعيًا ممزوجًا بحرقة الفقد، وكأن الأرواح كانت على موعدٍ واحد.
من فقدناهم كانوا أحبابًا في الله، فأحبهم الله، فاختار لهم جواره.
_في تلك الأثناء، ومع صدمة توالي الحوادث، حلّ الخوف وسط من لجؤوا إلى المسيد من أن يغادر الشيخ خارج البلاد.
_ولكن هذه الحوادث لم تزدنا إلا صلابة، فأخبرتهم في صلاة الجمعة أننا باقون، وأنني لن أغادر المسيد وأتركهم (ونحنا البدينا بنتمو) ، لأن الموت واحد، وإن حان الأجل:
﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾.
فكم ممن فر قاصدًا النجاة أدركه أمر الله حيث كان.
_فتعالت الأصوات بالتكبير، وهتاف كبار السن، وزغاريد النساء خارج المسيد، وعلى الرغم من أن اليوم كان عصيبًا على الجميع، إلا أن أبنائي بعد هذه المواقف رددوا جميعًا:
(يا نتم معاك الجاي، يا نلحق الفاتو)
صدق الله حين قال:
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾.
وشيّعنا عريسًا ثالثًا للجنة، مخضبًا بدمائه في سبيل الله.
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾
ولنا في المسيد بقية ✒️











