الأخبار

خبر وتحليل : عمار العركي تهديد السد العالي… والمأزق السياسي

أثارت التصريحات المنسوبة لعبد المنعم الربيع، القيادي في مليشيا الدعم السريع، المعروف بتصعيد وتصدير خطاب المليشيا سياسيًا وإعلاميًا، بشأن التهديد باستهداف السد العالي في مصر جدلًا واسعًا، لا بسبب ما تحمله من قدرة تنفيذية، بل لما تعكسه من تحولات مقلقة في خطاب المليشيا وسلوكها السياسي. فالسؤال الجوهري هنا ليس: “هل تستطيع المليشيا تنفيذ مثل هذا التهديد؟” بل: “ماذا يعني أن يُطلق أصلًا، وفي هذا التوقيت تحديدًا؟”

من الناحية العسكرية، لا توجد مؤشرات واقعية تدعم امتلاك المليشيا أدوات أو إمكانيات أوجغرافيا تمكّنها من تهديد منشأة استراتيجية محصنة بحجم السد العالي . هذا أمر تدركه القاهرة قبل غيرها، ولذلك لا تتعامل مع التصريحات باعتبارها خطرًا أمنيًا مباشرًا. غير أن السياسة لا تُقاس بالقدرة وحدها، بل بطبيعة الخطاب وما يكشفه من نوايا وارتباك وفقدان الاتجاه. فالانتقال من خطاب يبرر الحرب في السودان إلى التلويح باستهداف منشأة سيادية لدولة جارة يمثل انزلاقًا خطيرًا، حتى وإن خلا من أي قابلية للتنفيذ.

الأخطر في هذه التصريحات ليس مضمونها فقط، بل الطريقة التي خرجت بها. ففي مراحل سابقة، كانت المليشيا تحرص على توجيه رسائلها تجاه مصر عبر قيادتها العليا، في محاولة لإظهار قدر من الانضباط السياسي والتحكم في الخطاب. أما اليوم، وبعد تآكل القيادة وفقدان البوصلة وتضعضع بنيتها التنظيمية ، باتت رسائلها تُطلق عبر ناشطي وسائل التواصل الاجتماعي، بعضهم معروف بقربه من دوائر خارجية وبعلاقاته بقيادة المليشيا، لكن دون صفة رسمية أو مسؤولية سياسية مباشرة. هذا التحول في حد ذاته يكشف حالة بؤس سياسي وعدم واقعية في الخطاب، ومحاولة للجمع بين إطلاق رسائل خطيرة والتنصل من تبعاتها في الوقت نفسه.

القاهرة تقرأ هذا المشهد بهدوء، لا بوصفه تهديدًا فعليًا، بل كمؤشر على طبيعة الطرف الذي يصدر عنه. فالخطاب المرسل بلا ضابط ولا مسؤولية لا يربك مصر، لكنه يعمّق قناعتها بأن أي تعامل سياسي مع كيان فقد السيطرة على خطابه أصبح أمرًا بالغ الصعوبة، يمنحها مصوغ قوي لتعزيز توجهها وإتخاذ مواقف عملية أكثر وضوحًا في رؤيتها بدعم الدولة السودانية ومؤسساتها الشرعية باعتبارها الضامن الوحيد للاستقرار، ليس للسودان وحده، بل للإقليم كله.

في هذا السياق، لا يمكن استبعاد أن يكون هذا الانحدار الخطابي جزءًا من عملية إغراق متعمدة، يتم فيها دفع المليشيا نحو مزيد من التهور والانكشاف، وتحميلها أثقالًا سياسية وأخلاقية متراكمة، تمهيدًا للتخلص منها كعبء إقليمي لم يعد قابلًا للإدارة أو التدوير،فكل تصريح من هذا النوع لا يضغط على الخصوم ، بل يقرّب المليشيا خطوة إضافية من توصيف لا يرحم، ويغلق أمامها ما تبقى من نوافذ سياسية.

خلاصة القول ومنتهاه:
إن التهديد بالسد العالي لا يمثل خطرًا على مصر بقدر ما يكشف أزمة عميقة في خطاب المليشيا نفسها. فهو تعبير عن ارتباك أكثر منه قوة، وعن ضيق خيارات أكثر منه اتساع نفوذ. والمفارقة أن هذا الخطاب، بدل أن يربك القاهرة أو الإقليم، يعزز من سردية الدولة السودانية ، ويمنح الشرعية “للخط الأحمر المصري”، ويؤكد للرأي العام السوداني والمصري معًا أن ما يجري ليس صراع نفوذ أو رسائل ضغط، بل معركة دولة في مواجهة فوضى السلاح حين يفقد بوصلته السياسية، ويظن أن حضور التهديد يمكن أن يعوّض غياب المشروع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *