حابى لايموت من قدسية التاريخ إلى معركة الأمن القومي ..بقلم اللواء أركان حرب / أشرف فوزي الخبير الأمني والاستراتيجي

أكد الخبير الأمني والاستراتيجي المصري أن نهر النيل يمثل أحد أعمدة الأمن القومي الشامل للدولة المصرية، ليس فقط بوصفه مصدرًا رئيسيًا للمياه، وإنما باعتباره عنصرًا حاكمًا في الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. وأضاف أن قراءة ملف النيل لا يمكن أن تتم بمعزل عن التطورات الإقليمية الراهنة، وعلى رأسها التغيرات المناخية، وتزايد الطلب على المياه، وتعقيدات ملف سد النهضة.
النيل في معادلة الجغرافيا والتاريخ
أوضح الخبير أن نهر النيل تشكّل عبر تفاعلات جيولوجية طويلة، قبل أن يستقر في صورته الحالية منذ آلاف السنين، ليصبح أطول أنهار العالم وأكثرها تأثيرًا في تشكيل الحضارات. وأكد أن الطبيعة العابرة للحدود للنيل فرضت منذ القدم واقعًا جيوسياسيًا معقدًا، حيث تشترك عدة دول في منابعه ومجراه، ما يجعل إدارة مياهه قضية تعاون إقليمي بالأساس.
واستطرد قائلاً إن مصر، بحكم موقعها الجغرافي واعتمادها شبه الكامل على النيل، تُعد الدولة الأكثر تأثرًا بأي تغيرات تطرأ على منظومة تدفق المياه، وهو ما يفسر الحساسية الاستراتيجية العالية لهذا الملف في دوائر صنع القرار.
من «حابي» إلى مفهوم الأمن المائي
أضاف الخبير الأمني أن تقديس المصريين القدماء للنيل وتجسيدهم لفيضانه في صورة الإله «حابي» لم يكن تعبيرًا رمزيًا فقط، بل عكس إدراكًا مبكرًا لأهمية الأمن المائي كشرط أساسي لبقاء الدولة. وأوضح أن هذا الوعي التاريخي تطور في العصر الحديث ليأخذ شكل سياسات ومؤسسات وتشريعات تهدف إلى إدارة الموارد المائية بكفاءة.
وأكد أن مفهوم الأمن المائي اليوم أصبح جزءًا لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي، خاصة في ظل تصاعد التحديات المرتبطة بندرة المياه وتغير المناخ.
سد النهضة… قراءة هادئة في المشهد الراهن
وفيما يتعلق بملف سد النهضة، أوضح الخبير الأمني والاستراتيجي أن القضية يجب تناولها في إطار قانوني وفني وسياسي متكامل، بعيدًا عن الخطاب الانفعالي أو التصعيد غير المحسوب. وأضاف أن مصر تعاملت مع هذا الملف من منطلق الحفاظ على حقوقها التاريخية، وفي الوقت ذاته تأكيد مبدأ التعاون وعدم الإضرار، وهو ما يتسق مع قواعد القانون الدولي للأنهار العابرة للحدود.
واستطرد قائلاً إن التحدي الحقيقي لا يكمن في السد ذاته، بل في آليات تشغيله وسنوات الملء، ومدى التنسيق وتبادل البيانات، مشيرًا إلى أن أي إدارة أحادية للمشروعات المائية الكبرى قد تفرض ضغوطًا إضافية على دول المصب، خاصة في فترات الجفاف.
التحديات الداخلية… مسؤولية لا تقل أهمية
وأكد الخبير المصري أن التحديات المرتبطة بنهر النيل لا تقتصر على العوامل الخارجية فقط، بل تشمل أيضًا تحديات داخلية، في مقدمتها تلوث المياه، والهدر، وسوء استخدام الموارد. وأضاف أن غياب الالتزام البيئي الصارم يفاقم من أزمة المياه، ويزيد من تكلفة المعالجة، ويؤثر بشكل مباشر على الصحة العامة والأمن الغذائي.
وأوضح أن معالجة هذه التحديات تتطلب تفعيل القوانين القائمة، وتطوير التشريعات، ورفع مستوى الوعي المجتمعي، باعتبار المواطن شريكًا أساسيًا في حماية النيل.
النيل كقضية وعي عام
أشار الخبير إلى أن معركة الحفاظ على نهر النيل ليست معركة سياسية فقط، بل هي معركة وعي وسلوك وإدارة رشيدة. وأضاف أن الاستثمار في تحلية المياه، وإعادة استخدام مياه الصرف المعالجة، وتحديث نظم الري، تمثل مسارات استراتيجية موازية لا غنى عنها لتخفيف الضغط على النهر.
خاتمة
واختتم الخبير الأمني والاستراتيجي حديثه بالتأكيد على أن نهر النيل سيظل محورًا رئيسيًا في معادلة بقاء الدولة المصرية واستقرارها. وأكد أن التعامل مع هذا الملف يتطلب رؤية هادئة، وعقلًا استراتيجيًا، وتعاونًا إقليميًا حقيقيًا، إلى جانب وعي داخلي يحافظ على المورد ويصونه للأجيال القادمة.
قد تتبدل التحديات وتختلف السياقات، لكن الحقيقة الثابتة تبقى واحدة: حابي لا يموت، لأنه جوهر الأمن المائي، وركيزة الاستقرار، وأحد أعمدة الوجود المصري.











