
قال المصطفي صلي الله عليه و سلم “ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا..”
في هذه الحرب اللعينة، هرع الناس لجمع كل ما هو ثمين وغالٍ من ديارهم، ونزحوا مكرهين إلى بلاد الله الواسعة، ولكن (كبارنا) -كبار السن والمقام، شيب اليوم وشباب الأمس- لم يستطيعوا جمع الغالي والنفيس؛ لأن “غاليهم” لا يُجمع في حقائب، ولم يحتملوا فكرة ترك سنوات عمرهم ولحظات سعيهم خلفهم.
فكل ركنٍ في الدار يحمل قصة نجاح، وحكاية يودون روايتها للأحفاد عن بناء ذلك المنزل، وكل شارعٍ يحفظ خُطى عمرهم التي سعوا بها في الحياة، وكل زاوية تحمل ذكريات هي أغلى ما يملكون. غاليهم ليس مالاً ولا ذهباً، غاليهم هو “العمر” الذي عاشوه، ولا يتمنون سوى قضاء بقية حياتهم في أحضان تلك الذكريات، وفي ملكهم الذي صنعوه بكدّ شبابهم.
ودّعوا عائلاتهم وأبناءهم، وأوصدوا عليهم أبواب منازلهم على أمل أن تنتهي هذه الحرب خلال يوم أو يومين، قائلين بلسان حالهم الصابر: “ما بسيب بيتي.. أخلي بيتي وأمشي وين؟ وأقعد عند الناس على آخر عمري؟”. بالنسبة لهم، كان الموت في الديار أهون من تركها.
ولكن، جثمت هذه الحرب على صدورنا طويلاً، ومضى عليها قرابة الألف يوم؛ فمنهم من لقي نحبه وحيداً بعيداً عن أسرته، ومنهم من عاش يكافح الجوع والمرض والعطش والوحدة في ديارٍ خاوية هجرها أهلها، لا حبيب ولا ونيس سوى أصوات المدافع، ورائحة الموت التي تنبعث من كل مكان.
🛑حين علمتُ بوجودهم صامدين داخل منازلهم، (قلقت عليهم )وأوليتهم اهتماماً خاصاً. كنا نرسل إليهم الطعام بواسطة “الحيران”، والمياه بـ”التكتك”، ونوفر كل الأدوية الضرورية كالأنسولين وغيره من خدمات طبية مثل فحص الضغط و السكر ،نطرق أبوابهم فرداً فرداً، نسلمهم الأمانات يداً بيد ونطمئن على أحوالهم يومياً.
ومع اشتداد ضراوة المعارك، ازداد قلقي عليهم، فدعوتهم ليحلّوا ضيوفاً عندي في “المسيد”، وهيأت لهم أفضل مكان لإقامتهم، قلت لهم طمأنةً لقلوبهم: “إنتو لسه في نفس الحِلّة وما بعيدين من بيوتكم”. استجاب الكثيرون منهم، ومن رفض منهم ترك بيته احترمتُ رغبته وواصلنا خدمته في مكانه.
🛑 مأساة حي “أبروف”
في حي “أبروف” العريق، أُصيب احد قادة الدعم السريع و كأن الذنب ذنب كبار السن لم يراعِ أفراد الدعم السريع وقار السن ولا حرمة الشيب، فتهجموا على كبارنا داخل بيوتهم واعتدوا عليهم بالضرب، وطردوهم من ديارهم بغير حق. حينها قلت لهم: “ما تشيلوا هم، إحنا أهلكم”، واستقبلتهم في المسيد والبيوت المجاورة له.
“كبار السن هم كتب التاريخ، يحملون في وجوههم قصص الأيام، ويحفظون في قلوبهم حكايات الزمان، فاحترموهم، واقبلوا منهم الحكمة والخبرة.”
🛑أعددت لهم برنامجاً يحيي الأمل في نفوسهم؛ ففي الصباح كنت أشرف على فطورهم بنفسي، نتحلق حول المائدة، نتحدث ونضحك، ويروي كل منهم ذكرياته الجميلة، ثم أحكي لهم قصصاً من السيرة النبوية العطرة، فتبدلت وحشتهم أنساً، وتحسنت نفسياتهم، وأقبلوا على الحياة من جديد.
📌 في المساء:
كانت لنا حلقات في مديح المصطفى ﷺ، فأهلنا جُبلوا على حبه وذكره، وكان لذلك أثرٌ عظيم في سكينة نفوسهم. ملأنا يومهم بالحب والذكر، فكانوا ينامون بسلام ليلتقونا في الصباح بكل شوق.
مع الأسف، فقدنا منهم أحبةً غادروا دنيانا، فأكرمناهم بمراسم الدفن والعزاء، وهنا تجلت فائدة “البث المباشر” (اللايفات)؛ فقد كان أبناؤهم المغتربون والنازحون يشاهدون أهاليهم بالصدفة في المقاطع التي ننشرها، فيتصلون بنا ليطمئنوا عليهم في لحظات مؤثرة تقشعر لها الأبدان.. لعن الله الحرب التي فرقت الشمل.
أما من مد الله في عمرهم، فقد ظلوا معنا في المسيد إلى أن حرر الجيش منطقة “أمدرمان القديمة”. كانت أياماً رغم قسوتها، إلا أن الزهور تنبت بين الصخور؛ أحبوني وأحببتهم، آنسوني وأنستهم، فكانوا بركة المكان ونوره.
إِنَّمــــا الأَشياخُ في الأُمَـــــمِ
كَمَواقِـــعِ النُّجومِ في الظُّلَـمِ
و لنا في المسيد بقية ..











