
ظلت دولة جنوب السودان تعاني من صراعات مُتجذرة ومعقدة منذ نشأتها أودت بحياة كثير من مواطنيها والمتابع لتطورات الأوضاع هناك يدرك أن النار قد إشتعلت في الجنوب مجدداً ومن يعرف الجنوب وتعقيداته يعرف تماماً أن الصراع الدائر هذه الأيام ليس كغيره من الصراعات التي نشبت في السابق فهو صراع قد يتحول إلى حرب أهلية شاملة قد تقسم الجنوب إلى دويلات.
تأذى السودان كثيراً من الدولة الوليدة من رحمه فقد ظلت مافيا الحرب والمال في الجنوب على مدار السنين تصدر الأزمات للشعب السوداني حتى بعد إنفصاله في العام ٢٠١١م ، وعلى الرغم من التحالف الكبير بين الخرطوم وجوبا بشقيها حكومة ومعارضة إلا أنهم ظلوا طوال العاميين الماضيين يرفدون المليشيا المتمردة بمرتزقة للقتال في صفوفها لاسيما وأن معظم التدوين المدفعي الذي ظل يؤرق مضاجع أهلنا في ولايات الخرطوم والجزيرة وغيرها كان بإيدي هؤلاء المرتزقة الجنوب سودانيين ، ولكن اليوم ومن خلال تسارع وتيرة حرب الكرامة التى كان من المتوقع أن تمتد تداعياتها لتشمل دول الجوار في مقدمتهم تشاد وجنوب السودان لدعمهما السافر للتمرد ومساعدته في تدمير المؤسسات السودانية وسرقة أموال ومقدرات الشعب السوداني الخاصة والعامة ؛ هذا الدعم السخي للمليشيا إنعكس سلباً على استقرارهما الداخلي وهاهو جنوب السودان يقع اليوم ضحية لهذه التدخلات الخارجية التي قد تشعل نار الحرب الأهلية فيه من جديد وفي إعتقادى سيكون ذلك نسبة لعدة أسباب نخلصها فيما يلي :
أولاً : عمق التدخلات الخارجية في الحكومة وأولها التدخل الأوغندي الذي ظل ينخَر في عظم حكومة الجنوب منذ نشأتها بحكم العلاقات القوية بين الجيشين الشعبي والأوغندي وبحكم التداخلات الثقافية والسياسية ، بينما ظلت أوغندا تحاول ضم أراضي من الجنوب منذ إنفصاله في مقابل دعمها المُطلق للرئيس سلفاكير ممثل قبيلة الدينكا الحليف الإستراتيجي لها في المنطقة وخير دليل تصريحات قائد الجيش الأوغندي موهوزي موسيفيني على منصة أكس التي برر فيها دخول قواتهم للجنوب لحماية سلفاكير ، كما أن له من قبل منشور سابق تحدث فيه عن غزو العاصمة السودانية الخرطوم والسيطرة عليها بدعم من الإدارة الأمريكية الجديدة ولكن سرعان ما قام بحذفه لإثارته الجدل وكشفه لخطط ظلت دائماً حبيسة الغرف المُظلمة.
في الأيام الماضية بات جلياً أن هذا التدخل الأوغندي في الجنوب بلغ أوجه خاصة بعد دخول قوات متعددة الجنسيات مزودة بعتاد حربي ضخم من أوغندا ، وتوجهها إلى ولاية أعالي النيل لإخماد ثورة الجيش الأبيض ضد الحكومة وعلى الرغم من توجيه نائب الرئيس رياك مشار إتهامات مباشرة لأوغندا عقب الأحداث الأخيرة بانتهاكها الإتفاقات الدولية ونشر قواتها دون موافقة الحكومة الإنتقالية وإتهمها بتنفيذ ضربات جوية في ولايتي أعالي النيل وجونقلي وقتل مدنيين ، إلا أن الصراعات المسلحة مازالت مُشتعلة وتنذر بحرب أهلية قادمة على الأبواب.
يلي التدخل الأوغندي التدخل الإماراتي الذي مارس ضغوطات كبيرة على الحكومة لفك إرتباطها بالخرطوم وفي سبيل ذلك بذل الغالي والنفيس لشراء الذِمم والولاءات ومحاولاته لشراء نفط الجنوب أوضح مثال على هذا التدخل، ويندرج تدخل الإمارات في الجنوب تحت عقيدتها الراسخة والمستمرة في الحفاظ على ثروات السودان المنهوبة بواسطة المليشيا فهي تتدخل في الجنوب وعينها على حرب السودان التى شارفت على النهايات مع علمها التام أن هذه النهايات ستشمل دارفور ولن يتبقى لمرتزقة المليشيا مؤطئ قدم فيها لذلك أصبح لسان حالها يقول كيف تُقنن سرقة ثروات السودان عبر طرق وممرات جديدة بعد فشل المليشيا المتمردة في الحفاظ على مناطق سيطرتها؟ فكان لابد لها أن تحاول السيطرة بالكامل على مقاليد الحكم في الجنوب خاصة المناطق الحدودية مع السودان ؛ فكانت أولى خطواتها التمهيد لدخول هذه الأراضي عبر بناء المستشفيات والمراكز الصحية لتضمن وجودها هناك وكذلك قامت بدعم الإنقلاب الأبيض الذي حدث منذ إسبوعين في حضور سلفاكير وتم تسليم السلطة لنسيبه بنجامين بول ميل وهو الأمر الذي نفته حكومة الجنوب خوفاً من تعرضها لعقوبات دولية جديدة .
ثانياً: المؤشر الثاني للحرب الأهلية القادمة في الجنوب هو عدم وجود جيش نظامي يستطيع الدفاع عن أرض الجنوب من أى غزو أجنبي فدولة جنوب السودان لا تملك جيشاً وطنياً موحداً جيشها عبارة عن إفرازات لصراعات قبلية مُوغلة في القِدم وحتى فكرة الجيش الموحد التي جاءت في إتفاقية الخرطوم ٢٠١٥م وإتفاق جوبا ٢٠١٨م واللاتي نصتا على دمج قوات الحركة الشعبية مع قوات الجيش الشعبي نُسفتا بعد وقت قصير من توقيعهما وظل كل طرف من المكونات القبلية مُحتفظ بجيشه وسلاحه وكذلك بقية المكونات القبلية الأخرى بخلاف الدينكا والنوير ، وأخر هذه الصراعات الصراع الذي نشب في مدينة الناصر المدينة الحدودية مع إثيوبيا والتي تعتبر مركز ثقل للجيش الأبيض أو قبيلة النوير ، حيث أسفر عنه مقتل قائد الجيش التابع لسلفاكير وسيطرة الجيش الأبيض على القاعدة العسكرية في الناصر وهو يعتبر إمتداد لمعارك وصراعات مؤجلة وغير منتهية إنفلت عقدها قبل أعوام على إثر ضغوطات داخلية وخارجية كبيرة.
من خلال هذين المؤشرين يتبادر إلى أذهاننا سؤال جوهري كيف سيتعامل السودان مع هذا التهديد المرتقب من جنوب السودان في ظل إمتداد حدود تصل إلى ٢٠١٠كم بدءاً من ولاية جنوب دارفور من أقصى الشرق على الحدود مع أفريقيا الوسطى مروراً بولاية جنوب كردفان، النيل الأبيض، سنار والنيل الأزرق في الشرق على الحدود مع إثيوبيا؟
بالتأكيد مثل هذه الحدود الشاسعة ظلّت دوماً تمثل ضغطاً كبيراً على الخرطوم لاسيما قضية إزدياد معدل تدفق اللاجئين في أوقات الحرب وهو المتوقع في قادم الأيام ، ومن جهة أخرى إقتراب القوات الأوغندية المدعومة إماراتياً إلى حدود السودان الجنوبية ، خاصة مناطق التماس والتي يتوقع أن تستهدفها الأمارات بالزعزعة وعدم الاستقرار مثل منطقة أبيي وجبال الأنقسنا والنيل الازرق وجنوب كردفان بالإضافة لجنوب دارفور خاصة منطقتي “كفيا قنجي” و”حفرة النحاس” هذه المناطق تمت المطالبة بإعادة ضمها لولاية غرب بحر الغزال بعد إنفصال الجنوب في ٢٠١١م وذلك بحسب ماكانتا تتبعان لها قبل إستقلال السودان ولا أستبعد أن تخطط الإمارات مجدداً لمحاولة ضمهما للجنوب عبر الاستيلاء عليهما بقوة السلاح والمرتزقة في حال سيطرة الجيش على دارفور لاحقاً.
على صعيد آخر فأن الرد الكافي على هذه التهديدات سيكون في سرعة إعلان الخرطوم خالية من التمرد وبقية ولايات الوسط ،مع الاستمرار في ضرب معاقل المليشيا في دارفور والزحف براً نحو مراكز نفوذها هناك وتنفيذ عمليات عسكرية لقطع طرق إمدادها وماتصريح الفريق ياسر العطا الأخير عن إستهداف مطارى أم جرس وأنجمينا ببعيد عن هذه الخطة المتعلقة بتدمير مخازن المسيرات الإنتحارية التابعة للمليشيا هناك ، كل ذلك بالتزامن مع الإستعداد التام لتأمين الحدود مع الجنوب أولاً لمنع دخول اللاجئين الفارين وثانياً لقطع الطريق على أى قوات تحاول التسلل للسودان وتشكيل أى تهديد عسكري على حدودنا الجنوبية وقد يكون إلتحام جيوش
الفرقة ١٧ مشاه سنجة والفرقة ١٨ مشاه كوستي والفرقة الرابعة الدمازين في منطقة التروس على حدود ولاية سنار مع جنوب السودان بدايةً لتنفيذ هذه المهمة .
أخيراً إن شعبنا الصابر الصامد عاني الأمرين من مرتزقة دولة جنوب السودان خلال هذه الحرب كما عاني كثيراً في السابق من حرب الجنوب الضروس التي إنتهت بإنفصاله ولم نسلم بعد الإنفصال من إفرازات الصراع المسلح هناك ، لذلك لابد من وضع حداً لهذه المعاناة الطويلة بعد أن تضع الحرب أوزارها ليعرف كل العالم أن السودان هو الدولة الوحيدة التي مدّت أياديها بيضاء لكل العالم لكنها في المقابل لم تجد إلا الظلم والإجحاف ونكران الجميل .
اللهم_برداً_وسلاماً_على_السودان
مرام البشير “٢٥ مارس ٢٠٢٥م”.










