المقالات

استراتيجيات.. د. عصام بطران.. معارك الخرطوم ..!!

– الحديث عن تحركات الجيش والانتشار واعادة الانتشار والتموضع وانفتاح القوات من الامور المسكوت عنها والمنهي عن تناولها اعلاميا .. بالتاكيد يختلف الامر في التناول الاعلامي ان كانت تحركات الجيش في الظلام وخلف الكواليس ( الخلاء ) ومناطق النزاعات المسلحة المعروفة .. اما اذا كانت عمليات الانتشار والتموضع والامداد داخل المدن الكبرى خاصة العواصم ناهيك عن عاصمة الدولة فان التناول الاعلامي والتحليل الاستراتيجي سيكون نهارا جهارا خاصة عبر الوسائط الالكترونية وناقلات الخبر الالكتروني المعروفة اصطلاحا ب(النيوزات) ..
– حجم العتاد والاليات المجنزرة والتجهيزات القتالية التي دفعت بها القوات المسلحة فجر اليوم الى العاصمة الخرطوم كانت مثار انتباه للعامة قبل الخبراء في الشأن العسكري والاستراتيجي ولكنها بكل تأكيد كانت محل ثقة واطمئنان للجميع رغم المخاطر المحتملة لاي عملية انتشار ودعم لوجستي وعملياتي تلوح في الافق (حجم القوة والتسليح) وهذا يجعل الباب مشرعا للتفسيرات والتحليل من باب الحيطة والحذر .
– القوات المسلحة لها قرنا استشعار (حساسات) تستشعر من خلالهما المهددات والمخاطر وترصد التحديات وتقرأ الاحداث وهذه التجهيزات تقود الى الحديث عن معارك و(كتمات) الخرطوم ، فالعاصمة في تاريخها الحديث شهدت العديد من (الكتمات) وشاهد اهلها مشهد العين القنابل والدانات والقذائف ترسم اثارها على الجدران والمجنزرات والمدرعات تجوب حواري العاصمة (المثلثة) او كما يحلو لاهلها تسميتها قبل ان تصبح (مسبعة) .. معارك الخرطوم ليس كباقي المعارك لانها ببساطة هي العاصمة مصدر الامن والملاذ الامن والقلعة الحصينة بارث وحضارة انسانها البعيد كل البعد من لغة (الكوماج) والقتال والاحتراب ..
– شهدت الخرطوم معارك في السابق ان كانت محدودة الزمان والمكان الا انها لم تكن الوقائع كما عليه المشهد الان من تعقيدات وتقاطعات استراتيجية وتعدد في (الجيوش) من الحركات المسلحة وغير المسلحة .. ففي ظهيرة ١٩ يوليو من العام ١٩٧١م (كتمت) الخرطوم حسب ماذكر البيان الصادر من الرائد هاشم العطا بالوكالة عن الحزب الشيوعي السوداني بالانقلاب على الرئيس الاسبق جعفر نميري واستلم السلطة لثلاثة ايام ثم انقلب عليها النميري وأعدم كل قادة الحركة من الجناح العسكري والمدني للحزب الشيوعي بعد ان شهد قصر الضيافة اكبر مجزرة للاعدام الجماعي نفذتها قوات الانقلاب ..
– من معارك الخرطوم ايضا ما اطلق عليها الرئيس الراحل جعفر نميري (غزو المرتزقة) ففي ٢ يوليو من العام ١٩٧٦م خططت المعارضة السودانية من الخارج وتضم الحزب الشيوعي وحزب الامة والحزب الاتحادي الديمقراطي والإخوان المسلمين بالتعاون مع السلطات الليبية لانقلاب عسكري ضد الرئيس نميري عن طريق (غزو الخرطوم) بقوات سودانية تدربت في ليبيا بقيادة العقيد محمد نور سعد وكاد يستولي على السلطة، ولكنه فشل في الوصول الى القصر الجمهوري واختفى جنوده بين الحواري والازقة ومنازل المعارف والاهل وتم اعدام المشاركين في الانقلاب بعد ان نجحت الحركة في الاستيلاء على مواقع استراتيجية بالعاصمة الخرطوم بعد معارك دارت في يوم الجمعة وبدخولها الخرطوم استولت على مناطق وادي سيدنا شمالا وسلاح المدرعات في الخرطوم جنوبا ثم مرورا بالاذاعة والتلفزيون وسلاح المهندسين والدفاع الجوي والسلاح الطبي ثم القيادة العامة والتي لم يستطع قائد الغزو محمد نور سعد الوصول اليها ..
– (الكتمة) الثالثة في الخرطوم لم تكن من فئة الدروع ولا المجنزرات اذ اختلف عتادها الذي كان السلاح الابيض والهجوم عبر الكتل البشرية وكان ذلك عاملا حاسما في هلاك الارواح واتلاف الممتلكات .. فمنذ الساعة الاولى لاعلان فقدان الاتصال مع طائرة نائب الرئيس السوداني د. جون قرنق بدأت التنبؤات والتكهناك عن حدوث يوم دامي في الخرطوم ومداد اتفاق السلام الشامل لم يجف .. هذا ما حدث بالفعل حيث اعقبه في اليوم التالي الهجوم المضاد من الطرف (المظلوم) ووقع مئات الضحايا وتناثرت الاشلاء والجثث في الطرقات ..
– اما معركة الخرطوم الرابعة كانت عملية الزراع الطويل التي نفذتها حركة العدل والمساواة بقيادة زعيمها د. خليل ابراهيم والتي عرفت بغزو امدرمان وقد استمر القتال منذ ظهر السبت ١٠ مايو ٢٠٠٨م واستمر القتال المتقطع صباح ايام ١١ و١٢ مايو وقد فقد فيها الوطن المئات من الشهداء والقتلى من الجانبين وشهدت العاصمة خلالها ايام مفزعة وكئيبة ..
– لا اجزم ان قلت هناك معركة قادمة تلوح في الافق من واقع التحليل الاستراتيجي فان اعادة الانتشار جزءا من استراتيجية عسكرية جديدة تسعى الى تحقيق اهداف مختلفة تماما عن الاهداف السابقة مما يتطلب اعادة نشر القوات وفق قاعدة الاهداف الجديدة والمناطق الاستراتيجية ومناطق النفوذ المستهدفة .. معارك الخرطوم لست كباقي المعارك لان القتال داخل العاصمة باهظ التكاليف في الارواح والممتلكات ومهدد لبقاء الدولة .. (لا ازايد) ان قلت (الكتمة) القادمة هي من ضروريات الاستقرار المستدام لان الطرف المنتصر فيها حتما هو الجيش الوطني حسب التجارب و(المجازفات) في المعارك السابقة .. وبانتصار الجيش ستحسم كافة الملفات ويعود الامن والاستقرار للبلاد والعباد .. ولكن بلا شك سيفقد الوطن ارواح عزيزة من ابنائه ويبقى العزاء (الجاتك في مالك سامحتك) ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *