

يوم أمس احتفلت غوقل بميلاد الشاعر محمد مفتاح الفيتوري ..
وقف استاذنا الشاعر الكبير محي الدين فارس في فصل ( عربي ) في مدرسة الابيض الثانوية في مستهل الثمانينات ليحدثنا عن الفيتوري الشاعر ملء السمع والبصر ، لم يتورع استاذنا الجليل فارس ان يخرج عن نص الحصة والمقرر حين حدثنا ملئياً عن ( دنيا لا يملكها من يملكها
أغنى أهليها سادتها الفقراء ) حدثنا محي الدين فارس عن الخاسر الذي لم يأخذ منها ما تعطيه على استيحاء بل حدثنا عن الغافل الذي يظنّ ان الأشياء هي الأشياء! حدثنا وحدثنا ونحن ننصت بشغف ونتابع باهتمام حين انشد يقول من شعر الفيتوري ( وتجف مياه البحر/ وتقطع هجرتها أسراب الطير / والغربال المثقوب على كتفيك / وحزنك في عينيك / جبال / ومقادير / وأجيال / يا محبوبي / لا تبكيني / يا محبوبي / لا تبكيني يكفيك / ويكفيني / فالحزن الأكبر ليس يقال ) وخرجت من الحصة الاستثنائية من استاذ استثنائي وشاعر وانا ممتلئ بالفيتوري واشعاره .
وإنطلقت بنا العربة تطوي الارض طياً من الدار البيضاء أو كازابلانكا ، مدينة التلة او كازا ، كما يحلو لاهلها مناداتها بهذا الاسم اختصاراً ، إنطلقنا من ساحل المحيط الاطلسي من كازا المدينة الأكثر اكتظاظًا بالسكان في المملكة المغربية غير بعيد من (منارة العنق) فيها ، انطلقنا صوب ضاحية سيدي عابد ، السائق المغربي الماهر المثقف لم يتوقف عن الحديث ، حدثنا عن كازا وجمالها حدثنا عن سيدي عابد الضاحية الصغيرة ذات المساحة الصغيرة التي تقطنها اربعة آلاف وخمسمائة اسرة ، ظل يحدثنا ونحن ننصت وعندما سكت برهة حدثناه عن واحدة من هذه الاسر ، عن كبيرها حدثناه عن الفيتوري الذي ضربنا من أجل لقاءه اكباد السفر ، لنحييه ، نؤدي له فروض الحب ، ونعوده في مرضه . قلنا له ان من نقصد شاعر كبير ومن أوائل من تغنوا بالعربية للقارة السمراء وكتب الكثير من الأشعار عنها . قلنا له انه كتب أغاني أفريقيا ، وعاشق من أفريقيا وأذكريني يا أفريقيا وعندما كتب مسرحية شعرية اسماها احزان افريقيا .
عدنا الي السودان وكتبت عنه الكاسب من ظن ان الإبداع هو ( الفيتوري ) كتبت انني “التقيته المرة الاولى و الأخيرة في مقر إقامته بضاحية سيدي عابد في مراكش المغربية ، حيانا بعد ان دس كلتا يديه بين أصابعنا الممدودة اليه بحرارة أشعاره الافريقية .تشبث بنا في كرم سوداني اصيل ، كأنما ود ان يتنفس رحيق الوطن عبر شراييننا ، بل كان يحدثنا بعيونه ويقول : لو لحظة من وسني / تغسل عني حزني / تحملني / ترجعني / الى عيون وطني / يا وطني .. يااا وطني ، وكان يحدثنا وهو غارق في تجويف كرسيه الذي تشرف بحمل جسمه العليل ، المنهك بفعل التجوال وزمان الغربة والترحال ، و يا له من شرف يا أيها الكرسي المغربي” !!
احتفلت منصة محرك البحث قوقل بعيد ميلاده الذي صادف الرابع والعشرين من نوفمبر وقالت عنه ولد محمد مفتاح رجب الفيتوري Muhammad al-Fayturi في مثل هذا اليوم من عام 1936 في الجنينة .
وصفت منصات عديدة ودراسات نقدية شتى اشعار الفيتوري بأنها بثت حياة جديدة في الأدب العربي المعاصر بمزيج من الفلسفة الصوفية والثقافة الإفريقية والدعوة إلى مستقبل خال من الاضطهاد.
وتوفي محمد الفيتوري في يوم الجمعة 24 إبريل عام 2015 في المغرب، في سيدي عابد والتي كان يعيش فيها ، بعد صراع طويل مع المرض. سمعت الخبر الحزين ، رفعت يدي التي تشبث بها عندما عانقته بالسلام السودانوي الحميم ، رفعتهما الي اعلى وقرأت الفاتحة على روحه وتذكرت محي الدين فارس بلسانه النوبي العربي المبين في فصل ( ثانية عربي ) في الابيض الثانوية وهو يترنم بياقوت العرش ويدوزن نغم سبمفونية “معزوفة درويش متجول”وتذكرته الفيتوري يرنو الينا في سيدي عابد مبتسماً في وداعة واهنة من كرسيه المتحرك ، تحدثه لغة اعيننا عن “شرق الشمس .. غرب القمر” ، نقول له في صمت مبين اننا نحن من قال فيهم “يأتي اليك العشاق” ، كنا نحدثه ننظر اليه “نار في رماد الاشياء” في رماد الاشياء من حولنا في عالم تركناه يعربد خارج جغرافيا سيدي عابد تركناه “عريانا يرقص في الشمس” ، انتبهت !!! ثم رفعت سماعة التلفون لأُعزي اسامة وهاشم فقد كانا رفيقاي في تلكم الرحلة .











