الأخبار

اكتشاف أثري بالسودان.. طفل وجرار مدفونة تحت تلال القضارف

بدأ بمهمة تدريب لطلاب آثار وانتهى إلى مؤشرات على موقع جنائزي واسع قد يعود إلى ما بين 5000 و3000 قبل الميلاد
السودان

وكالات _ عزة برس

الخرطوم- خالد فتحي

لم تكن سوى شظية فخار عالقة تحت التراب، لكن محاولة رفعها قادت فريقاً أثرياً إلى اكتشاف غير متوقع في شرق السودان: جرار فخارية مدفونة، وبقايا هيكل عظمي لطفل يُرجح أنه دُفن في وضعية القرفصاء، وتلال دفن تمتد على مساحات واسعة في منطقة لا يزال جانب كبير من تاريخها الأثري مجهولاً.

في المريبيعة، بمحلية الفشقة في ولاية القضارف، بدأت الحكاية بملاحظة عابرة أثناء مسح ميداني ذي غرض تدريبي، نفذه طلاب الآثار بجامعة القضارف بالتعاون مع إدارة الآثار بالولاية، قبل أن تفتح قطعة الفخار باباً على ماضٍ قد يمتد إلى آلاف السنين. وتشير القرائن الأولية إلى احتمال عودة المكتشفات إلى العصر الحجري الحديث، بين نحو 5000 و3000 قبل الميلاد، لكن الباحثين يتحفظون على حسم هذا التاريخ قبل استكمال الدراسات والحفريات اللازمة.

علما أن الفريق لم يكن يخطط للتنقيب في المقابر، بل كان الهدف تدريب طلاب الآثار على العمل الميداني، لكن أحدهم لاحظ قطعة فخار ظاهرة تحت التراب، وحاول رفعها، فاكتشف أنها ثابتة في مكانها. ومع إزالة التراب المحيط بها، بدأت ملامح فوهة جرة مدفونة تظهر، ما دفعه إلى إبلاغ المشرفين.

وقالت الدكتورة حنان الشيخ هجو، عالمة الآثار المشاركة في العمل، في إفادات لـ”العربية.نت”، إن الفريق أوقف النبش وحدد الموقع باستخدام نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، ثم عاد في اليوم التالي لتنفيذ حفرية إنقاذ محدودة، بعد أن اتضح أن ما ظهر لم يكن مجرد كسرة فخارية عادية، بل جزء من إناء مدفون.

فيما أسفر الحفر عن ظهور جرة في الطبقة الأولى، بينما امتد جزء كبير من جرة ثانية إلى الطبقة الأدنى، ما اضطر الفريق إلى إزالة طبقة أخرى لإنقاذها، وهناك ظهرت جرة ثالثة، ليجد الباحثون أنفسهم أمام اكتشاف يتجاوز ما كان متوقعاً من مهمة تدريبية.

لكن الحفر توقف عند عمق نحو 20 سنتيمتراً، بعد إزالة طبقتين من التربة، خشية أن يقود التعمق إلى اكتشاف آثار إضافية تتجاوز إمكانات الفريق. وأوضحت حنان الشيخ هجو أن ما حدث كان حفرية إنقاذ هدفها التعامل مع الآثار التي ظهرت أثناء المسح، وليس تنقيباً أثرياً متكاملاً يستكشف المقبرة بكامل محتوياتها.

هيكل طفل يثير أسئلة حول الدفن
ولم تكن الجرار الفخارية وحدها ما استوقف الفريق، فقد عُثر أيضاً على بقايا عظمية بشرية، بينها أجزاء من هيكل عظمي لطفل، لاحظ الباحثون أن عظم فخذه يتجه نحو الأضلاع، في مؤشر يرجح أن الجثمان دُفن في وضعية القرفصاء.

وتفتح هذه الملاحظة نافذة على طرق الدفن لدى سكان المنطقة القدماء، لكنها لا تقدم، بمفردها، إجابات نهائية عن طقوسهم الجنائزية أو طبيعة العلاقة بين الأواني الفخارية والبقايا البشرية، فذلك يحتاج إلى دراسة الهيكل العظمي في سياقه الأثري، ومقارنة المكتشفات بنتائج حفريات أخرى.

وقالت حنان الشيخ هجو إن تلال الدفن في المنطقة كبيرة وممتدة، وإن الموقع الذي شهد التنقيب ليس سوى واحد من مواقع عديدة. وقد كشف المسح عن تلال دفن في ثلاثة مواقع، بينما اقتصر العمل الفعلي على أحدها.

وتعني هذه المعطيات أن الاكتشاف قد يكون جزءاً من نطاق أثري أوسع، لا مجرد مقبرة منفردة، غير أن تحديد امتداد هذا النطاق، وعدد المدافن، وطبيعة محتوياتها، يظل رهناً بمسوح ميدانية أكثر شمولاً وحفريات متخصصة.

إحدى الجرار الفخارية المكتشفة في السودان من صفحة جامعة القضارف بفيسبوكإحدى الجرار الفخارية المكتشفة في السودان من صفحة جامعة القضارف بفيسبوك
1 من 4

العصر الحجري الحديث.. فرضية تنتظر الدليل
هذا ورجح شكل الجرار والسياق الأثري أن يعود الموقع إلى العصر الحجري الحديث، ضمن نطاق زمني تقديري بين نحو 5000 و3000 قبل الميلاد، لكن هذا الاستنتاج لا يزال أولياً، ولا يمثل تاريخاً نهائياً للموقع.

في حين أوضحت الباحثة أن تثبيت التاريخ يتطلب دراسة الفخار ومقارنته بنماذج أثرية معروفة، وفحص البقايا العظمية، وتحليل تلال الدفن، فضلاً عن إجراء حفريات إضافية، بما في ذلك التنقيب في مدفن آخر للتحقق من محتويات المقبرة الأولى ومقارنة النتائج.

كما أشارت إلى أن الترجيحات الحالية تستند إلى سياقات أثرية ونتائج حفريات سابقة، لكن الوصول إلى صورة أكثر دقة يستلزم استكمال العمل العلمي، فلا يمكن حتى الآن حسم عدد المدفونين، أو طبيعة الطقوس الجنائزية، أو ما إذا كانت الجرار مرتبطة مباشرة بعملية الدفن، قبل الكشف عن سياقها الكامل.

ويزيد من أهمية هذه الأسئلة أن الفريق لم يتعمق في الحفر، ولم يستكشف المدفن بكامله، فقد كانت الأولوية إنقاذ المكتشفات الظاهرة، في حدود الإمكانات المتاحة، لا المخاطرة بإتلاف آثار أخرى أو الشروع في تنقيب يتجاوز قدرته.

القضارف.. تاريخ ينتظر التنقيب
وصنّفت هجو ولاية القضارف بأنها من المناطق الغنية بالمواقع الأثرية التي لم تحظَ بما تستحقه من أعمال المسح والتنقيب. وأشارت إلى أن بعثة أجنبية أجرت مسحاً للمنطقة ومواقع أخرى عام 2010، لكن الحفريات لم تكتمل في الموقع الذي شهد الاكتشاف الحالي، بحسب إفادتها.

كما رأت أن الحفرية الأخيرة يمكن أن تمثل نقطة انطلاق نحو اهتمام علمي أوسع، رغم أنها كانت تجريبية ومحدودة، ولم تُنفذ وفق نطاق التنقيب الأثري المتكامل، فالمواقع التي كشفت عنها أعمال المسح، وتلال الدفن الممتدة، تطرح الحاجة إلى برنامج بحثي منظم يحدد الأولويات ويتيح للباحثين دراسة المنطقة على نحو أشمل.

إلى ذلك، كشفت التجربة حدود العمل الأثري في ظل نقص الإمكانات، إذ اضطر الفريق إلى وقف الحفر عند عمق محدود، بعدما ظهرت مؤشرات إلى احتمال وجود آثار أخرى. ومن ثم، فإن استكمال البحث لا يتوقف على وجود المكتشفات وحدها، بل يحتاج إلى معدات وموارد وخبرات تسمح بالتنقيب والتوثيق والفحص وفق المعايير العلمية.

وفي المريبيعة، لا تزال ثلاث جرار فخارية وبقايا عظمية وتلال دفن تحمل أسئلة أكثر مما تقدم من إجابات. وقد يكون هيكل الطفل ووضعية دفنه بداية لفهم جانب من طقوس سكان المنطقة القدماء، فيما قد تكشف الحفريات المقبلة عن تفاصيل أوسع تتعلق بتاريخ الاستيطان البشري في شرق السودان.

لكن المؤكد حتى الآن أن شظية الفخار لم تكن نهاية الحكاية، بل بدايتها. أما ما تخفيه المقابر الممتدة تحت تراب المريبيعة فلن تكشفه التخمينات، وإنما حفريات أعمق وأدلة علمية قادرة على تحويل الاحتمالات إلى حقائق، وإعادة كتابة صفحات من تاريخ السودان لم تجد طريقها بعد إلى الضوء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *