المقالات

الفرقاء لا المتفقين.. أمل أبوالقاسم

يمور جوف الميديا والمنصات الرقمية هذه الأيام بأخبار حول اعتزام القائد العام للجيش، رئيس مجلس السيادة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، التوسط والتسهيل لإقامة حوار سوداني سوداني، وبحسب ما رشح يضم كل القوى السياسية إلا من أبى، والإدارات الأهلية والطرق الصوفية وغيرها، عدا المؤتمر الوطني وتأسيس الموازية.

قوبل هذا التسريب بامتعاض الكثيرين، بما في ذلك مجموعة قحت وصمود، التي شرع البرهان في تفاصيل قانونية تسقط عنها عقوبات، بينها الإعدام، فضلاً عن موالين ومراقبين للمؤتمر الوطني أبدوا كذلك امتعاضهم.

ورغم تحفظي على نظام الإنقاذ باعتباره أحد من أورد البلاد موارد الهلاك، سيما في سنيه الأخيرة وعلى عدد من الصعد، وبالتأكيد ليس هناك من يرغب، بل ويتشدد، في عدم عودتهم للحكم مرة أخرى بشكل أو بآخر، إلا أن ذلك لا يسلبه الحق في المشاركة في الحوار المزمع عقده.

وإن كان المؤتمر الوطني قد أساء للحكم لثلاثة عقود، فإن جناح قوى الحرية والتغيير وصمود أساءوا للوطن أشد إساءة، بل خانوه وتلطخت أيديهم أسوة بتأسيس التابعة للمليشيا.

من منا لا يرغب في سلام سياسي دائم يطوي صفحات الفرقة التاريخية التي عصت على الحل؟ وما أحوجنا إليه الآن والوطن يئن تحت وطأة التشاكسات التي أفضت إلى حرب استثنائية لم يشهد بها المحيط الإقليمي ولا تاريخ الحروب، لما صاحبها من بشاعة.

والمعروف لدينا والشائع أن الحوار يكون بين الفرقاء. إذن أين هم بين من تتم دعوتهم وهم متفقون فيما بينهم، وآخرين التقوهم في محافل دول تسعى لذلك وفق أهوائها؟ بينما الفرقاء الأصل هم اليمين واليسار منذ أمد بعيد. وإن أيّاً منهم خارج هذا الحوار فهو بالتأكيد فاشل، كونه سيكون «خميرة عكننة» فيما بعد.

أمر الحوار هذا معقد وليس بالأمر الهين، وإرضاء كل الأطراف ضرب من الخيال، وما لم تخفِ أو تختفِ تماماً لهجة الإقصاء وعبارة «ما عدا»، فلن تُجنى ثماره كما يُشتهى.

الموجع حقاً في كل ذلك ردود فعل الخونة الذين باركوا الحرب على الشعب السوداني واستهجنوها على حلفائهم من الدعم السريع ورعاتها. جماعة «لا للحرب»، وكأن الجيش يقاتل طواحين الهواء، وليس مليشيا تمردت واعتدت على البلاد والعباد، وهو يقوم بواجبه مثل بقية جيوش العالم في حماية الأوطان.

قلت إن الموجع هو ردود الفعل، رغم العفو عن تهم قانونية وليست جزافاً. فالردود لا تقل وقاحة عن سابقاتها في استهداف الجيش وقائده بألفاظ وصفاقة تشبه تصرفاتهم، وجلهم متفقون على أن ما يقوم به رئيس مجلس السيادة هو لاكتساب شرعية. بينما يرى اليمين أنه لإرضاء الخارج.

حسناً.. هل يا ترى يمكن لأي قائد يطمع أو يستوجب الوضع حسماً بوضع يده على السلطة من أجل البلاد، أن يستأذن من الخارج أو يحاول إرضاء كيانات، أياً كانت؟
والتاريخ يقدم نماذج عديدة لقادة وصلوا إلى الحكم في ظروف استثنائية أو عبر تدخل عسكري أو صراع مسلح، ثم تعامل معهم المجتمع الدولي باعتبارهم سلطات أمر واقع، قبل أن تكتسب بعض التجارب شرعيتها عبر ترتيبات سياسية أو انتخابات. ومن أبرز الأمثلة المصرية وصول عبد الفتاح السيسي إلى السلطة بعد تدخل الجيش في يوليو 2013، ثم انتخابه رئيساً في 2014، مع استمرار العلاقات والاعتراف والتعامل الدولي مع الدولة المصرية.

كما أن تجارب يوري موسيفيني في أوغندا وبول كاغامي في رواندا جاءت عقب صراعات مسلحة وانهيار أنظمة، ثم تحولا إلى قيادتين معترف بهما دولياً. وتوضح هذه النماذج أن الاعتراف الدولي في السياسة لا يُحسم دائماً لحظة وصول القائد إلى السلطة، وإنما تحكمه لاحقاً اعتبارات الاستقرار، والسيطرة الفعلية على مؤسسات الدولة، والتسويات السياسية، والمصالح الدولية.

السيد الفريق أول ركن، سعادة الفريق البرهان، لقد رددت مراراً وتكراراً أمام الشعب ووعدته بشأن الخونة بالخارج. كما وعدت بالقضاء على المليشيا حتى تحرير أرض السودان من دنسهم، وها هو الأمر يمضي إلى نهاياته فعلياً.
وبالنسبة للأول، لا أحد منا يجرؤ على حرمان مواطن من العودة إلى بلده، وفقاً للقانون، ولا نرفض مبدأ الحوار، على أن يكون للجميع عدا «الأعداء» بمعناها المباشر.

إن كان الحوار ضرورة لإنهاء الانقسام وتهيئة الطريق لسلام سياسي مستدام، فليكن حواراً سودانياً حقيقياً لا يقوم على الإقصاء المسبق، ولا على قوائم «المستثنين»، وإنما على معيار واضح كيفما اتفق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *