
المعركة لم تنتهِ بعد..ربما هذه هي الحقيقة الأهم التي ينبغي أن تستقر في الوعي السياسي والمجتمعي السوداني خلال هذه المرحلة الدقيقة..فالدولة.. وإن نجحت في تجاوز الإنهيار المباغت الذي أستهدف وجودها وبنيتها وهياكلها من الداخل بواسطة مليشيا الدعم السريع وحلفائها من القوي السياسية المدعومة خارجياً.. إلا أنها لا تزال تواجه تحديات وجودية مع استمرار الحرب وتعقيدات المشهدين الداخلي والإقليمي..ولذلك فإن تقوية النسيج الوطني السوداني.. سياسياً ومجتمعياً أصبح ضرورة وطنية تفرضها مقتضيات بقاء الدولة..
فالسقوط الحقيقي يبدأ عندما تتآكل الجبهة الداخلية ويتحول شركاء المعركة إلى أطراف متنازعة تستنزف بعضها بعضاً..ولذلك فإن تجاوز خشونة التدافع السياسي.. وتأجيل الخصومات التي يمكن تأجيلها.. يمثلان اليوم أحد أهم شروط استكمال معركة استعادة الدولة وحماية مكتسباتها..
والحقيقة التي لا ينبغي القفز فوقها أن الدولة السودانية تمكنت..بتضافر جهود الجميع..من تجاوز الإنهيار المباغت الذي استهدف وجودها ومؤسساتها..لكن الصحيح كذلك أن شركاء الهم الوطني.. إلى جانب القوات المسلحة والقوات المشتركة والمستنفرين وتشكيلات المساندة الشعبية..هم الذين ثبتوا ركائز إستعادة الدولة عقب الضربة التي تلقتها من الداخل خلال الحرب..ولولا تماسك هذه الجبهة الوطنية..وتداعيها التلقائي في لحظة الخطر..لتعرضت البلاد لهزة مفتوحة المآلات..ولما تمكن السودان مرة أخرى من إلتقاط أنفاسه وإعادة ترتيب مؤسساته.. فالفرق الذي أحدثته حركة العدل والمساواة السودانية بقيادة الدكتور جبريل إبراهيم محمد.. وحركة جيش تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي..والحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال بقيادة مالك عقار إير..إلى جانب حركات مصطفى تمبور..وغيرها من التشكيلات المنضوية تحت لواء الدولة بموجب إتفاق سلام جوبا و درع السودان.. ولواء البراء بن مالك.. والبرق الخاطف..وغيرها من التشكيلات العسكرية وشبه العسكرية.. فضلاً عن جهاز الخدمة المدنية السوداني الذي حافظ على استمرار مؤسسات الدولة في ظروف إستثنائية بالغة التعقيد لا ينكره إلا مكابر أو مغرض.. فقد شكلت هذه القوي مجتمعة أحد أهم عوامل الصمود واستعادة زمام المبادرة الوطنية عقب حياد تكتيكي قصير أربك خطط المليشيا وداعميها..
ولذلك سرعان ما تحولت هذه المكونات لهدف دائم لمحاولات بث الفرقة وإثارة الشكوك والفتنة ..فكلما عجزت مشاريع إضعاف الدولة عن تحقيق أهدافها في الميدان.. إتجهت إلى استهداف الحاضنة الوطنية التي وفرت للدولة أسباب الصمود.. وقد أثبتت هذه التجربة القاسية أن التماسك الداخلي هو الحائط الصلد والجبل الأشم في مواجهة أي مشروع يستهدف تفكيك الدولة السودانية أو إضعاف مؤسساتها أو تمزيق نسيجها المجتمعي والسياسي..
وليس من الحكمة أن تنجرف هذه القوى إلى معارك جانبية تستنزف رصيدها الوطني.. وهي التي ما تزال تقدم التضحيات في الميدان.. وتشيع أرتال الشهداء.. وتتحمل أعباء الدفاع عن الدولة في واحدة من أكثر مراحل السودان حساسية وتعقيداً.. المطلوب اليوم أن يبقى الخلاف السياسي داخل حدود المسؤولية الوطنية..وأن تُغلب لغة الحوار والتنسيق على منطق التراشق والتشكيك..
والأهم من ذلك أن تنتبه هذه التشكيلات لضرورة ألا تقف عند حدود العمل العسكري وأن تسعى لتصميم مشروعها السياسي القومي بيد..بينما تقدم التضحيات في الميدان باليد الأخرى..هذه معادلة تفرض على الجميع التعامل معها بقدر كبير من المسؤولية.. لأن نجاح أي مشروع وطني جامع يظل رهيناً بقدرته على استيعاب التنوع السوداني..وترسيخ مفهوم الشراكة.. وتقديم المصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة..
لقد دفعت الدولة السودانية ثمناً باهظاً في هذه الحرب..ولن يكون من المقبول أن يُهدر هذا الثمن في معارك سياسية صغيرة أو خصومات يمكن إدارتها بالحوار.. المعركة لن تحتمل بأي حال جبهات جديدة داخل معسكر الدولة الذي يحتاج لمزيد من التماسك..ومزيد من الثقة..ومزيد من الوعي بأن معركة البقاء لم تنتهِ بعد..
لابد من التعامل المسؤول مع ملفات التدافع السياسي وأنتشار القوات المختلفة لتأمين البلاد والتعاطي الأكثر مسؤولية مع إفرازات الحرب داخل هذا الصندوق ..فأبطال الحرب الحقيقيون يتعرضون لما يتعرض له الجميع من ضغوط..
نواصل










