
قبيل أيام راج أن المزعومة “تأسيس” قامت بإجراء امتحانات الشهادة السودانية في مناطق سيطرتها، خضع لها مئات الطلاب المقهورين ممن رماهم حظهم العاثر في طريق هؤلاء، فاستخدموهم ورقة سياسية ضمن عدد من الأوراق التي تسوق بها لنفسها، معتقدة أنها حققت كسباً وقبولاً.
تابعت ذلك اليوم وضحكت ملء شدقي لعدة أسباب؛ أولها سذاجة الأمر، وثانيها محاولة المدعو حميدتي محاكاة سعادة (رئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة السودانية) الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، وهو يسير وسط حشد ـ على قلته ـ مصنوع، وخُيّل إليه أنه كالبرهان الذي تلتف الحشود العفوية حوله أينما حل. والمدعو، في صورته تلك، بدا كمن يستدعي حركات وسكنات قائد البلاد الشرعي، لا سيما زيارته لمراكز الامتحانات، فظهر كالأراجوز وقد فقد الوقار الذي اكتسبه أيام حكمه.
وثالث المهازل المضحكة تلك الصورة المتداولة لـ”هادية الرقاصة” وهي تبكي. فمثلما كانت تضحكني وأنا أتابع رقصها الذي تصنع من خلاله “ترند” صباحاً وعشية كل يوم، أضحكتني وهي تدعي البكاء والتمثيل، وقد حصدت بها أيضاً “ترند”، فيما ظلت المليشيا ومنصاتها تروج لها بوصف ذلك فرحاً مفرطاً وتأثراً بالجلوس لامتحان الشهادة. المهم أن هادية، التي لا أظنها تفك الخط، أجادت الدور بجدارة كإجادتها الرقص.
الامتحانات التي أقامتها “تأسيس”، والتي لاقت مسبقاً رفضاً تاماً من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، دعك من العديد من الدول التي لا تعترف بها البتة، وإن “عملت السبعة وذمتها”. وبعيداً عن الامتحان المهزلة وأوراقه التي كُشف عنها وتسرّبت قبل يوم من الامتحان، ألم ينظر هؤلاء إلى المستقبل؟ كيف ستصدر الشهادة؟ ومن سيعترف بها؟ ما يعني ضياع عام على هؤلاء الضحايا من الأسر والطلاب المغرر بهم، وقد حُرموا من الجلوس لامتحانات الحكومة الشرعية بقطع الطريق أمامهم وإعادتهم وحبس بعضهم، فيما نجا ونجح العشرات في الوصول إلى مناطق سيطرة الجيش، متحملين معاناة ومشقة الطريق.
طرحت تساؤلي أعلاه، وإذا عُرف السبب بطل العجب.
فقد طالعت خبراً اليوم في واحدة من المنصات الموالية للمليشيا و”تأسيس”، يكرّس لاستنتاج أن هؤلاء وجدوا ضوءاً أخضر لإقامة الامتحان، وما يليه أمره محلول. يقول نص الخبر:
“كشفت مصادر أكاديمية عن استعداد عدد من الجامعات الأفريقية لاستقبال الطلاب الناجحين في الشهادة السودانية بمناطق سيطرة تأسيس، في خطوة توسع فرص الالتحاق بالتعليم العالي أمام الطلاب السودانيين. وأشارت المصادر إلى أن الإعلان عن قوائم إضافية من الجامعات والمؤسسات التعليمية سيجري خلال الأيام المقبلة، ضمن ترتيبات أكاديمية متواصلة لتعزيز فرص القبول والدراسة خارج البلاد.”
انتهى الخبر الذي يكشف عن تشجيع بعض الجامعات الأفريقية للأمر، بحسبان أن أبوابها ستكون مفتوحة لهم، ظناً أن ذلك سينهي الجدل حول جدوى امتحان حكومة غير شرعية. لكنه الغباء في أسمى صوره؛ تفكير آني معلب لا يعي ولا يقرأ التداعيات، حتى وإن قبلتهم تلك الجامعات.
فالإشكال الحقيقي يكمن في مدى اعتماد هذه الشهادات مستقبلاً داخل السودان وخارجه، ومدى توافقها مع المعايير الوطنية والدولية المعمول بها في تقييم المراحل التعليمية. فالشهادة الثانوية ليست مجرد امتحان، بل منظومة متكاملة تشمل المناهج والإشراف والضبط والاعتماد والتوثيق.
كما أن إجراء امتحانات في بيئة نزاع مسلح يثير تساؤلات حول تكافؤ الفرص والرقابة الأكاديمية وسلامة الإجراءات. وستنتهي الحرب عاجلاً أم آجلاً، فكيف سيكون مصير الطلاب الذين باتوا رهينة للنزاع السياسي والعسكري؟
إن تحويل التعليم إلى ساحة صراع موازية للصراع العسكري يحمل مخاطر بعيدة المدى على وحدة السودان ومستقبل أجياله، إذ إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو انقسام الشهادات والمؤسسات التعليمية، لأن آثار ذلك تمتد لعقود طويلة بعد توقف الحرب نفسها.
مع الأمنيات بأن تنجلي الحرب قريباً، وألا يضطر أبناؤنا الطلاب إلى وضع مستقبلهم الأكاديمي تحت رحمة “تأسيس” أو غيرها من الكيانات غير المعترف بها.









