المقالات

عبدالمعين .. خط أحمر.. إبراهيم أحمد الحسن

رسم عبدالمعين خط مستقيم علي الارض ، ثم قال لاصدقائه ( خُتْ شَخيت .. واقيف بعيد ) ، أرى ان ذلك هو قمة الاستعداء والاستعداد للنزال ، فالذي يرسم الخط تحت اقدامه يعلم جيداً ان من يتحداه ليس رعديداً ولا جبان ، يرتعد لمجرد وقوفه امام اختبار الشجاعة والنخوة او ما يعتقده هو كذلك .
حسين احد اصدقاء عبدالمعين الذي كان يجلس القرفصاء في الطرف الاقصى من مجلس الشلة التي تتسامر حول الخطوط الحمر التي بدأت تتشابك وتتقاطع ، تطل برأسها كنبت سرطاني تمدد وأكل من النسيج الاجتماعي بضراوة حد التهديد ، قال حسين : “هل لاحظتم اعداد الخطوط الحمر التي تناسلت ورسمت خطوط عرض وطول داخل النسيج السوداني ، فما من احد وهنت حجته وضعف اداؤه في اي مجال من المجالات الا تقهقر الي الوراء ولاذ برهطه ، يتموضع فيه ويستصرخ الرهط ان يرسم الخط الاحمر الذي يأويه . يتناول عبدالمعين طرف الحديث ليقول : هل لاحظتم ابن جارنا علي الفكي ، ما ان صعب عليه العمل وفشل في تحقيق الاهداف المرسومة بواسطة مؤسسته لتقييم ادائه حتى ارتد الي قبيلته مدعياً ان المدير من القبيلة الاخرى قد تحامل عليه ومارس عليه ظلم كبير لا للشئ الا لانه من قبيلة اخرى !! ما هذا الهراء ؟ متى كانت اهداف الاعمال والتجارة تخضع للون القبيلة في السودان ؟ متى كانت الارقام والحسابات لها هوية تُحشر بموجبها في الجهة والجغرافيا والاثنية ؟ يردد الناس في السودان والشركات التجارية والمؤسسات الخاصة التي تمارس الاعمال ان الحساب ولد ، يقف ذلك دليلا راسخاً علي دقة الارقام وتجردها من اي تأثيرات اخرى غير انها ارقام مؤداها ان واحد زائداً واحد لا يساوى الا اثنان . لم نسمع ان للارقام هوية ، منطقة او قبيلة . ولكن ابن علي الفكي يريد لها هذه الصبغة يتمترس خلفها وينادى رهطه ان هلموا لنصرتي ، وما كان فشله في تحقيق اهداف الوظيفة الا بسبب تحيز شديد من مدير المؤسسة . خلق هذا الشاب مشكلة لقبيلته في المقام الاول ثم لمؤسسته ولنفسه ، وبعد هذا كله ما اجدى صنيعه شيئاً وها انتم ترونه قد اصبح عاطلاً عن العمل بعد انهاء عقده مع مؤسسته بسبب ضعف الاداء ، فلا يمكن للمؤسسة ان تتخلي عن حرفيتها ومهنيتها بسبب تلويح بويل وثبور من رهط انسان فشل في تحقيق الاهداف المناط به تحقيقها ، وما استطاعت القبيلة ان تفعل شئ ازاء إعمال المؤسسة للوائح والقوانين والضوابط والمقاييس والمعايير التي تقول بها مهنيتها واحترافها” . جذب حسين نفساً طويلاً بعد هذا السرد الماراثوني الضافي ثم مد رجله يتمطى علي رمال مجلس أُنس عبدالمعين .
ضحك ياسر احد اعضاء شلة عبدالمعين والذي كان يجلس متحكراً في وسط مجلس الأُنس ليقول : “لا انسى ابداً القصة الطريفة التي حكاها صديق والدي والذي يعمل مديراً في مؤسسة خاصة وتعتبر استثمار اجنبى صارم في مقاييسه ومعاييره في العمل . قال المدير انه فؤجئ بمجموعة من الزوار اتوا علي متن حافلتين اقتحموا منزله ودخلوا صالونه عندما خرج اليهم وجدهم مجموعة من الناس يرتدون ابهج الحلل والزي السوداني الفريد ، جلس اليهم وقد اصبحوا ضيوفاً عنده اكرم وفادهم وقام بواجب الضيافة على اتم وجه وهو لا يعرف حتى سبب لمجيئهم بهذا الاعداد الكبيرة . وعندما تفرس في وجوههم لم تسعفه الذاكرة بانه قد قابل أياً منهم قبل ذلك اليوم . لاحظ المدير ان اكبرهم عمراً كان يحمل في يده سوطاً من الجلد المتين وآخرين يحملون العصى (وربما بعض الهراوات ) ، لم يتوجس المدير منهم خيفة فهم في داره وتحت ضيافته ، وقد جلس اليهم بالجلباب السوداني حاسر الرأس حافي القدمين . وما ان انتهت عبارات الترحيب والمجاملة حتى نادى اكبرهم سناً والذي كان يحمل السوط في يده ان احضروا فلاناً من الخارج ، انطلق احدهم بسرعة البرق وقفل راجعاً وفي معيته فلان وسط دهشة المدير طلب كبير الضيوف من فلان ان يستلقى علي الارض ثم طفق يجلده بقوة ، المدير الذي الجمت الدهشة لسانه وشلت حركته ما تمكن من ايقاف الرجل الكبير الا بعد ان وصول بعدد جلادته الرقم سبعة والتي تلقاها فلان في صبر وشجاعة ، انتزع المدير السوط من يد كبير الضيوف وسأل عن سر كل الذي جرى ، مجموعة تقتحم منزله ، شخص يُحمل من الشارع ليتم جلده في صالون منزله وامام ناظريه ، وهو لا يفهم شيئاً استفسر المدير ضيوفه ، وكانت الاجابة الاكثر غرابة وادهاش ، تحدث كبير الضيوف قائلاً : نحن قبيلة كذا وفلان الذي تم جلده امامكم هو ولدنا وولدكم وقد قام بارتكاب مخالفة كبيرة في شركتكم التي يعمل بها وبموجب ذلك وبعد خضوعه ل مجلس تحقيق رفع توصيته الي مجلس محاسبة قام بالتوصية اليكم بفصله من الوظيفة وقد صادقتم انتم علي هذه التوصية ، وها هو قد اضحى عاطلاً عن العمل ، ونحن اليوم حضور في داركم لنعتذر عن ما قام به بل ونقوم بجلده امامك تعبيراً عن ندمه واستقباله للعقاب الذي تفرضه عليه اعراف القبيلة ، ونطلب منكم التكرم بالعفو عنه واعادته الي العمل. أُسقط في يد المدير فهو امام قبيلة كبيرة تقدمت بطلب يتعارض تماماً مع لوائح الشركة وقد استنفذ قرار الفصل كل المراحل التي تقول بها لوائح الجزاءات في الشركة وكان القرار بناءً علي واقعة مثبتة وبحيثيات واضحة اقر بها الموظف المفصول ولم ينكر ما قام به وارتكبه ، المدير كان يعلم ذلك وكان يعلم جيداً ان اي تراجع عن هذا القرار مستحيل بكافة المعايير ويسجل سابقة تحيد بالشركة عن ما عرفت به من عدالة ونزاهة وصرامة في تطبيق لوائح الجزاءات . ويعلم في ذات الوقت ان القبيلة التي ينتمى اليها الموظف المفصول لها من التقاليد والاعراف مما يجعل لها تأريخ سُطر في سجل ناصع في التسامح وقيادة مجالس العفو والصلح والجودية حتى ولو وصل ذلك الي حد العفو عن من يرتكب جريمة قتل في حق احد ابناء القبيلة وذلك بالتنازل عن حق اولياء الدم في رضاء كامل وتسليم بالامر الواقع . وجد المدير نفسه امام معضلة كبيرة. توقف ياسر قليلاً ريثما يلتقط انفاسه وهنا انبري عبد المعين ليأخذ طرف الحديث من خواتيمه التي انتهى اليها ياسر .
“ومع ذلك تفتق ذهن المدير بحلٍ عجيب” ، قال عبد المعين ” انا جد معجب ومنبهر بما فعله المدير “.. ماذا فعل المدير ؟ هذا ما سنعرفه الاسبوع القادم علي لسان عبدالمعين .سنحاول حلحلة عُقد كل الخطوط الحمر التي تشابكت وضعت المدير في امتحان حقيقي اجتازه بنجاح ، ووضعها عبدالمعين نصب حلوله المتكاملة ل عويص مشكلات الخطوط الحُمر .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *