
حينما أكتب عن قبيلة المعلمين أجد نفسي عاجزاً عن الكتابة عنهم ، فتأتي كلماتي متواضعة في وصف دفء مشاعري تجاه هذه الشموع المتقدة التي تحترق من أجل إنارة الطريق لنا ، بل أتعثر فى اختيار مفردات تليق بحجم تلك الجبال الراسيات ، فالعبارات أحياناً لا تفى بالصورة المثلى و المطلوبة التي أريد التعبير عنها بحجم ما تكنه صدورنا من تقدير و إحترام لهم ، ففي أحيان أخرى يشوه الكلام ما نريد الحديث عنه ، فالكلمات تصبح جوفاء و باهتة المعاني أما شموخهم ، و لا تقدر على نسج العبارات التي تقصر قامتها عند الحديث عن هؤلاء العظماء ، فهم قناديل مضيئة تبدد لنا ظلمة و عتمة الجهل ، فمشاعرنا و أحاسيسنا متداخلة تجاههم ، و تحمل لهم كل التقدير و الإجلال ، و لمهنة التعليم ، و تصف عظم مكانه المعلم فينا ، فمنهم إستقينا العلوم من بحور علومهم الدافقة ، و قد شربنا من أنهار المعرفة عبرهم ، فقد منحونا العلم بكرم حاتمي أصيل لا يعرف الجبن أو البخل ، و بهم عرفنا الحياة ، فأضاءوا لنا الدياجير الحالكة بنور علمهم و قد نهلنا من حسن تربيتهم عوالي القيم و عظيم الأخلاق .
فيوم المعلم مناسبة رمزية عظيمة يجب علينا أن نحتفل بها بصورة تليق بقدر المعلمين الذين افنوا حياتهم و ما زالوا من أجل تعليم الأجيال ، و يجب علينا أن نقف عند عطاء هذه النباريس التي أضاءت لنا الطريق ، و أرشدتنا إلى معالم و سكك العلوم بكل تجرد ، حيث أخذونا من أيادينا إلى دروب المعرفة بعيداً عن مهالك الجهل ، فالمعلم إنسان يحمل العلم مع البعد الآخر من الإنسانية ، و قد كرس جل حياته في سبيل المسألة التعليمية ، فنجده يمنح طلابه المعلومات بسخاء ليرسخ عندهم المفاهيم العلمية و يغرس فيهم الأخلاق الحميدة ، فيجود لهم بأحسن ما عنده من معرفة ، ليرتقي بهم من ظلمات الجهل إلى أنوار المعرفة و عوالي الأخلاق .
و لا زال البعض يعتقد أن المعارف و العلوم يمكن أن تكتسب بدون وسيط ، يريدون بذلك إنكار دور المعلم ، فيعتقدون أن التحصيل العلمي يتم بمنح الذين يرغبون في التعلم فرص لاستخدام المصادر المتاحة في أي فترة من فترات حياتهم ، و إعتبروا أن المدرسة مؤسسة تعليمية مارست تاريخياً احتكارياً لقيمة التعليم بين أسوارها ، و لكن هذه الإدعاءات لم تصمد كثيراً باعتبار انها أفكاره شاذة ، و تعتبر محض نظريات وفلسفات تكتب في الكتب و لا يمكن مطاوعتها وإنزالها على أرض الواقع ، فنجاح المسألة التعليمية يعتمد على أربع محاور أساسية ، و إذا إختل أي محور من هذه المحاور ستفشل القيمة بأكملها ، و ذلك فضلاً عن فشل القيمة التربوية ، فإذن لا بد من توفير هذه الأساسيات التي تتمثل في المعلمين و المتعلمين و المناهج الصالحة للتعليم و المؤسسات التي يتم فيها تدريس هذه المناهج ، و في هذه الحلقة نجد أن أهم ركيزة تعتمد عليها هذه الحلقة ويجب أن تكون متوفرة بصورة متقنة هي المعلم ، فهو المرشد و ناقل للعلم و صاحب الخبرة ، و كما هو العمود الفقري الذي تعتمد عليه أساس العملية التعليمية ، و هذا ما أكده الله في محكم تنزيله حيث قال : (الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ الرَّحْمَٰنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا) صدق الله العظيم ، فكلنا نتفق على قيمة و أهمية التعليم في حياتنا ، وكذلك نتفق على مكانة و فضل المعلم في نفوسنا ، و الذي يعد حجر الأساس والعمود الفقري في توصيل العلوم و المعارف و القيم النبيلة ، فمن منا لم يتعلم على يد معلم و كان له الفضل فيما وصلنا إليه اليوم ، فلذلك وجب علينا تكريمهم و الإحتفال بهم و تعظيم يومهم لما يبذلوه من جهد مقدر لرفعة المجتمع الذي يعيشون فيه ، فهم بلا منازع رسل إنسانية قبل الرسالة التعليمية و التربوية فحق لنا أن تحتفل بهم ، فهم رمز من رموز فرحتنا .
قبل أيام قليلة حاول البعض الاستخفاف بوزير التربية والتعليم المكلف الأستاذ الجليل و المربي القدير محمود سر الختم الحوري ، و الذي لم يصل إلى هذا الكرسي عبر البوابة السياسية ، أو المحاصصات الحزبية ، أو الواسطة و كما لم يأتي إليها متجاوزاً درجته الوظيفية ، و هذا الإستخفاف يأتي متناسقاً مع السلوك العام الذي درج عليه بعض الناس في السنوات الأخيرة كنوع من أنواع الابتزاز السياسي و الأساليب الرخيصة و المعيبة في تصفية الخصومة على الأصعدة السياسية كوسيلة قذرة من وسائل القتل المعنوي للقدوة الذي إستهدف كثيراً من علماء بلادي في الآونة الأخيرة بسبب الصراعات السياسية ، حيث أرادوا تشويه صورة الرجل حينما تم تقديم هدية له و هي عبارة عن سيارة بوكو مستعملة لم يتجاوز سعرها ال 4 ألف جنيه ، فخلقوا منها قصة تجاوزت حدود هذا المبلغ المتواضع الذي عبر به زملاء المهنة الذين شاركوا في كنترول الشهادة عن مسألة لم تخرج عن إطار المألوف ، و كما لم يكن الأمر سراً أو من تحت الطاولة ليتم تفسيره بأنه رشوة كما ذهب البعض إلى ذلك ، و هذا ما يصف سلامة النوايا للجميع ، و في نفس الوقت يؤكد بساطة المانح و نزاهة الممنوح له الذي تقبل هذه الهدية البسيطة بفرحة تفوق قيمتها المادية .
ففي ظل غياب مقومّات الحياة الطبيعية في حياتنا اليومية التي تخلوا من الألوان الجميلة لماذا يسعي بعضنا في التعبير بصورة لا تليق بنا كشعب له إرث حضاري عظيم ، فالسيد الحوري إنسان مثلنا فمن حقه أن يمارس حقه في إنسانيته كما يريد ، فلماذا هذا الغلو في التعاطي معه حينما ردد أغنية مع المغني في حفل كان من أجله ؟ ، فمن حقه أن يطرب و ينشد و يغني أن أراد ذلك فهذا لم و لن يخرجه من وقاره كمربي و أستاذ جليل ، فالنفس الإنسانية مفطورة على حب الجمال و تنسجم بصورة تلقائية مع الإيقاع الجمالي المغروس في نفس أي كائن بشري ، فيجب علينا الا نفسد حياتنا لأسباب لا تليق بنا كشعب يحمل الخير و الجمال بدون أسباب يعتمدها المنطق و لا يقبلها الضمير الحي .









