
.
تداعى نفرٌ كريمٌ إلى قاعة الشارقة بالخرطوم أمس الأول، لحضور نهارية محبّة في أربعينية الراحلة الأستاذة نعمات حمود، طيفٌ واسعٌ من إعلاميي ومثقفي ومبدعي بلادي، ومن أسرة وزملاء ومعارف الفقيدة، توافدوا إلى القاعة التي فاضت بالحضور والدموع عبر نهارية ستظل خالدةً في ذاكرة الخرطوم.
اللجنة التحضيرية لتأبين الراحلة اختارت (نعمات حمود – ضحكة النيل والخليج) شعاراً لتعريشة المحبّة التي خاطبها عددٌ من نجوم بلادي في فضاءات الفعل الثقافي والإعلامي، مُعدِّدين مآثر الفقيدة، ومتبارين في إبراز صفاتها ومناقبها التي جعلتها قاسماً أكبر بين من جاءوا لتأبينها بمختلف انتماءاتهم ومهنهم وتبايناتهم السياسية والثقافية والفكرية.
التحية لأعضاء اللجنة الموقرين، وهم يحيون فضيلة الوفاء للراحلة التي رفرفت روحها في المكان محبّةً وصدقاً.. فقد استقبلت الناس عند مدخل القاعة بابتسامتها المشعة، وزاحمتهم بسيرتها ومواقفها ومنجزاتها الإنسانية والإبداعية داخل قاعة الشارقة، التي جاء اختيارها حتى تكون جسراً بين النيل والخليج، إذ كانت نعمات محبة للإمارات التي عاشت فيها وعادت منها محمولة على نعش الغياب الأبدي، حيث مثّلت سفارة شعبية للسودان، وملاذاً لأهله في دار (عيال زايد)…
لم يتردّد الدكتور صديق عمر الصديق في فتح قاعة الشارقة لتأبين نعمات بلا مقابل، ضارباً أروع الأمثلة في الوفاء والولاء لسيرة الراحلة العطرة.
التحية لرئيس اللجنة المُرهف الجميل عبد الوهاب هلاوي، الذي نظّم قصيدة أبكت الحضور، وهي تنسرب إلى الدوخل حزينةً ودافئةً وفيّةً بصوت سيف الجامعة الذي أفاض عليها من شجنه الكثير حتى خرجت في أقوى تجليات الحزن وأصدق فصول الرثاء..
*(بت كما مر النسيم رقة ولطافة، وبت كما موية الوضو طهر ونضافة واقفة بين خلق الله في ذات المسافة وكان قيافة).*
ما أجمل اللحن الذي أشاع أجواءً من الحُزن داخل القاعة، وجعل المدامع سيدة الموقف في تعريشة المحبّة، وقد صاغ جمله الموسيقية الأستاذ الرقم في رزنامة مبدعينا الكبار الفاتح حمدتو.. وتم تسجيله في أستديوهات الوفي لمحبة الفقيدة الدكتور السفير معاوية التوم.
وراء نجاح اللجنة والتأبين، كان يجلس خلف الكواليس الحبيب مخرج الروائع شكر الله خلف الله كعادته، تسانده الأستاذة الزميلة مشاعر عثمان التي فتحت مكتبها وقلبها حتى ينجح هذا الحِراك بزخم المحبّة وآصرة التواصل النبيل مع سيرة غاليتها وغاليتنا الراحلة نعمات حمود، ثم الثناء المُستحق للشاب الشعلة محمد آدم بركة الصحفي والشاعر، الذي أجزل عطاءً ثراً وسط مجموعة أشرفت على طباعة الكتاب المصاحب لفعالية التأبين و(أنا منها)، وللأستاذة الشاعرة ابتهال مصطفى تريتر، التي قدمت الفعالية باقتدار وتألق، عمّق طاقة الحزن في أجواء التأبين، وطمأننا على أنّ منصات الوعي والتنوير والأداء الإذاعي ستظل بخير.
السيد عيسى آدم الرئيس الأسبق للجالية السودانية بالإمارات، تكفل بمبلغ ثلاثمائة ألف جنيه لطباعة الكتاب، وقد شكّل أبناء الملتقى الثقافي السوداني بالإمارات، حضوراً مُميّزاً في هندسة أعمال اللجنة (الصادق والفاتح نور الدائم)، كما نُحيي التدافع النبيل من أبناء السودان بالإمارات لإنجاح أعمال اللجنة.. ونخص بالذكر الأستاذة فيحاء يوسف صديقة نعمات التي قدمت إلى الخرطوم خصيصاً لحضور فعالية التابين مُحمّلةً بـ(الثياب والتيشيرتات والنوايا البيضاء)، التي تحمل صورة الراحلة بابتسامتها المشعة..
التقدير والمحبة لكل من ساهم بجهد وافر في إخراج النهارية صاحب الأفكار الكبيرة والحروف الندية، الأستاذ حسن فضل المولى، والأستاذ النبيل عاصم البلال والصحفيات والإعلاميات نهلة مجذوب وأمل أبو القاسم وغادة عبد الهادي ونجوى عوض ورفيعة الحاج والمهندسة الفنانة نوفا الكردفانية، والدبلوماسي النشط مصطفى الشريف والزميل مصعب محمود ومنتج قناة النيل الأزرق الرائع أبو هريرة والإعلامي مصطفى بانقا، وقد كانوا جميعاً جزءاً عزيزاً من اللجنة التي وضعت الأساس لأربعينيّة الراحلة نعمات حمود.
شكراً لكل الذين أسهموا فى هذا العمل الكبير، وقد تنادوا استجابةً لداعي المحبة الذي جمعهم على صعيد الوفاء لراحلتنا العزيزة التي تستحق أن نهبها كل النهارات والأمسيات في تذكر عطائها اللا محدود.
*أدناه المقال الذي كتبته* *وتضمّنه الكتاب الجامع لعددٍ من المقالات في رثاء الفقيدة.*
*(ماتت نعمات حمود.. اللهم أفرغ علينا صبراً)..*
مَاتَت الأخت والصّديقة نَعْمَات حَمُّود الإعلاميّة والروائيّة والإنسانة، رَحَلت السفارة السودانية الشعبية المُتحرِّكة بالإمارات، (أخت الإخوان) الودودة، مَالكة صُكُوك المَحَبّة للجميع، وصَاحِبَة الابتسامّة المُشِعّة نُبلاً وَوَضَاءَةً وحُضُوراً وَمَودَةً.
إنّه مَوتٌ فَاجِعٌ عندما ترحل الضَحكة والطِيبة.. والضَمير الحليب.. رحلت صاحبة الألق والبهاء، بعد أن أشرقت في سماواتنا بكلِّ مَحَبّة الدنيا، تركت فراغاً لن تملؤه إلا نعمات حمود، فقد كانت طاقةً إيجابيةً مُتحرِّكة تمدّك بالثباتِ، وتَهِبَك التفاؤل ولا تُغادرك حتى تشعرك أنّ الدُّنيا كَانَت وسَتَظل بخير.
رَحَلَت سيّدة النّوايا البَيضَاء، وصَاحبة الوَصَل المنزّه من الغَرضٍ، مَاتَت المُثقّفة الواعية والإنسانّة الرّصينة التي تمنح مَحَبّتها للجميع مِن غيرِ مَنٍّ ولا أذى، رَحَلت سَادنة الثّقافة، وأميرة الإعلام، وسيّدة الحَرف الأنيق.
لا حول ولا قوة إلا بالله.. نعمات سَفِيرَة السُّودانيين في الإمارات، صَاحِبَة القلب والبيت المفتوح لأبناء وطنها.. وباعثة التواصُل ودِفء العَلاقات في أيّام الخُرطوم حين تَصلها مُحَمّلةً بالهَدايا والأشواق والضّحكة (المِن جُوّه الجوف)…
خَطَفَ المَوت، نَعْمَات لأنّه نقّاد وحتى يُذكِّرنا أنه لم ولن يفقد قُدرته على إفجاعنا، بالرغم من كونه فعلٌ يتكرّر في اليوم مَرّاتٍ وَمَرّاتٍ.
اللهم أفرغ علينا صبراً، فقد ادّخرناها لمُقاومة الحُزن وهَدْهَدَة اللّيالي البَاكيات، فإذا برحيلها يُوسعنا ألماً، كانت حلقة الوَصل بيننا وكَثيرين لا نلتقيهم إلا في حضرة نَعْمَات، والآن بعد فَقْدِها (انكسر المِرِق واتشتّت الرّصاص، ووين البِلِم النّاس)، كانوا يختلفون حول كل شيءٍ، ويجمعُون عليها وحدها، كانت تبعث الدِّفء في أُمسيَات الخُرطوم، وتُجَمِّل نهاراتها بالتواصُل والانس الجَميل، عَاشَت للناسِ، باذلةً نفسها باحتفاءٍ عجيبٍ وهِمّةٍ تشعرك أنّها مخلوقة للآخرين، تَقُوم عَلَى خِدمَتهم، وتواصُلهم دُون إِحْسَاسٍ بالتّعبِ.
قليلون هُم مَن تطيب بلقائهم الأوتار، وتزدهِي بوجودهم الأغنيات، يهدُونك نغماً، تستطعم معهم الوَنسة واللُّقمة، وتنصُت في حضرة نقائهم إلى روعة السَّجايا ونُبل المَقَاصِد، كانت نعمات واحدةً من هؤلاءِ، تَمْنَحَك ودّاً نَقِيّاً خالياً من كولسترول الخِلاف وتَعقيدات البَشر العَاديين، وتمنح كلّ من حَولها الطيبة والابتسامة والعَطاء اللّا مَحْدُود.
برحيل نعمات، انطوت صفحة مودّة نَاصِعَة، فَقَدَ السُّودانيون في الإمارات سفيرة العافية والتلاقي على مَحَبّة (الأيّام السّمحة).. غابت طاقة الجذب الحبيبة التي كانت تجمع عند حضورها كل النّاس على نغمٍ ووترٍ ورِفقةٍ وقصيدةٍ ووفاءٍ.









