المقالات

إنطباعات معتمر (1)

كلُّ شيءٍ يتغير). في المملكة العربية السعودية لن تصدق ما يحدث من تجديدٍ وتطوير، وبخاصة في مكة أم القرى، والمدينة دار هجرة النبي.
ستة أعوام غيرت الحال. هي تلك الفترة التي تغيبت عن زيارة أرض الحرمين. وكان ذلك لعدة، أسباب أبرزها التزامات عائلية فقد أصبح الأطفال طلابًا في المدارس .
منذ أن وطئت قدمي مطار الملك عبدالعزيز الدولي الجديد . شعرت برهبة المكان فإنني قادم لأداء العمرة. الخضرة في كل مكان. وكأن السعودية ملكًا وشعبًا قد تعاهدوا على أن يجعلوا الصحراء المجدبة واحة ظليلة. (كل شي أخضر) هذا هو شعار أرض الحرمين . أمَّا كيف صاروا يستقبلون زوار بيت الله، حجَّاجًا ومعتمرين، فحدِّث ولا حرج. إنهم أهل كرمٍ بفطرتهم، الجود طبعهم، والأريحية سيماهم؛ لكن عصر التقنيات جعلهم يظهرون ذلك كله في أدق التفاصبل.
ترحابٌ حارٌّ ومهذَّبٌ من قبل موظفي المطار . صالات حديثة وقطار سريع وإرشادات هنا وهناك. وحين وصلنا إلي موظفي الجوازات، أدهشني كثيرًا هذه المرة وجودٌ بارزٌ للعنصر النسائي . ترحيب واستقبال لم أجده طيلة الزيارات السابقة. من قبلُ كان الموظفون رجالاً؛ لكن وجود الموظفات صار يرفع الحرج عن النساء القادمات للحج أو العمرة أو العمل أو حتى الزيارة. وصار يشيع جوًّا من الدفء الإنساني، لم نكن نحسه فيما مضى.
وقفت وعائلتي بصف طويل بانتظار دورنا وأشاهد سرعة إنجاز إجراءات الدخول. دقائق قليلة أقف أمام الموظفة، تسأل بكل ترحاب :
كم شخصًا؟ تلعثمت : سبعة أفراد. طلبَت الجوازات، فقدمتها لها بكل هدوء، وأنا انظر إليها خلسة.
بدأت إجراءات البصمة والتدقيق للكبار، أمَّا الصغار فقد اكتفت بالصورة كاجراء طبيعي روتيني. تسمح لنا بالعبور لنمشيَ أولي الخطوات على أرض الحرمين الشريفين. كنتُ مندهشًا مما شاهدته؛ فالموظفون كلهم سيدات: منار ومنال وامتثال. ألقيت عليهم التحية. فرددنها بأحسن منها. تقدمت الي الداخل قليلا فاذا بضابط الجمارك يفحص أغراضي، ويناديني لمن هذه الأدوية؟ فأجيبه: لي. يخرجها ويتفحصها، ثم يعطيني إياها مرددًا: مرحبا بك. فأرد ألف تحية لك ولمن معك بالخدمة.
لقد تعلمت كثيرًا في أول ساعة لي في المطار. كان ذلك درسًا قويًا بالنسبة لي. كيف تبني الأوطان بجهود أبنائها. وحينما تكون لدي القائد الثقة بالنفس تنعكس على كل المسؤولين. وقلت في نفسي: إن هذا لا يمكن أن يحدث لولا وجود سياية حكيمة راشدة، تعي ما تفعله، وتدرك ما يفرضه الزمن على الدنيا من تطويرٍ وتحديث.
دخلت أرض الحرمين هذه المرة وأنا منبهرٌ بما شاهدته.
ومن جدة إلي المدينة المنورة لزيارة المسجد النبوي الشريف؛ فإليه تشد الرحال بعد المسجد الحرام والمسجد الأقصى. تحركت في الثانية عشرة ظهرًا الى المحطة الرئسية بمدينة جدة بصحبة نفر كريم من عائلتي.
أخذت التاكسي، وكان السائقُ هاشمي الاسم من سكان مكة المكرمة، فتفاءلت بذلك كثيرًا، وتبادلنا أطراف الحديث حول سخونة الأجواء والطقس وارتفاع درجة الحرارة. لكن للأمانة، لقد نسينا رهق السفر وهجير الطريق؛ لأن السائق كان هاشًّا باشًّا، لا يتحدث إلينا إلا وتعلو وحهه ابتسامته العريضة.
وعندما وصلنا المحطة أمرنا بالنزول والتوجه عبر الدرج الكهربائي وحمَّلَنا أمانة التحية إلى الحبيب المصطفي . يا له من رجلٍ طيب كريم.
دخلنا المحطة حيث يستقبلك موظفو الاستقبال بكل سرور، ويقدمون لك النصحية المطلوبة. ومن محطة الى أخري إلى أن وصلنا القطار. وهناك أيضًا وجدنا موظفات في قمة الذوق باستقبالنا.
ساعتان أمام المحطة الأخيرة. إنها المدينة المنورة حيث الهدوء والسكينة.
نستقل تاكسي إلي الحرم النبوي الشريف.
أهل المدينة متميزون في كل شيء؛ فهم الطيبة والتواضع والكرم مجسدةً في بشر. باحات الحرم النبوي الشريف بمظلاتها المميزة. جموع الزائرين من مختلف بقاع العالم. شربنا من ماء زمزم المبارك، وصليت صلاةَ التحية. وأي تحية؟ إنها طيبة. الطمانية كلها بطيبة، مدينة النبي.
وبعد أداء صلاة العصر توجهنا إلي قطار الحرمين الشريفين. موظفو الاستقبال يقدمون لك، وللجميع بلا تمييز، الخدمات الجليلة وكل منهم يحاول جاهدًا أن يقدم لك أقصى ما في وُسعه لتكون راضسًا مطمئنًّا.
في آخر المطاف كانت (أمل)، الموظفة الرائعة جدًّا، تودعنا علي أمل اللقاء مرةً أخرى في زيارة الحبيب المصطفي صلى الله عليه وسلم.
في المرة الماضية كنت أتذكر مناسك الحج والعمرة وما تثيره في النفس من مشاعر، وما يرتبط بها من أجواء روحية وإيمانية، أما في هذه المرة؛ فإنني لن أنسى مدى التطور الذي حدث في المملكة، من حفاوة في الاستقبال والوداع، ونظامٍ مذهلٍ في تيسير الإجراءات، وجمالٍ جديدٍ في البشر والحجر، وهذا ما يجعلني حريصًا على أن أكرر الزيارة في أقرب وقتٍ ممكن!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *