المقالات

سعد محمد أحمد يكتب: السبيل لتوطين الاقتصاد بعد تراجع النيوليبرالية

 

 

من سخرية الأقدار بالنسبة لدول الغرب وعلى رأس هرمها الولايات المتحدة الأمريكية أن يخرج مسار العولمة عن سيطرتها وان توظفه الصين لتتحول قطبيا اقتصاديا واستراتيجيا منافسا لها. هي اعتقدت أن اللحظة الأحادية التي تلت الانهيار السوفيتي ستتتيح لها إمكانية ترسيخ وتأييد هيمنتها على العالم غير أن الديناميات الاقتصادية والسياسية التي تلت معاكسه لمشاريعها وخططها، كعادتها تلجأ للإدارة العسكرية في محاولة بائسة للحد من انحدارها مع ما يترتب من مخاطر على هذا الأمن العالمي في ظل التحولات التي طرأت على موازين القوى الدولية في ظل اتضمحلال وتراجع يشهدها العالم في سياسة العولمة النيوليبرالية الاقتصادية خاصة في الغرب والولايات المتحدة والتي هي ذاتها من شرعنت وسنت النيوليبرالية الاقتصادية والتي تعني حرية حركة رأس المال بمعنى تدمير الحدود والعوائق القانونية التي تقف في وجه دخول رؤوس الأموال إلى الدول وخروجها منها بشكل حر ومن فوائدها على العولمة انها سهلت الاستثمار الأجنبي في مختلف الدول، وبالتالي سهلت قيام الشركات الكبيرة باستغلال موارد الدول الفقيرة بهدف تقليص كلفة الإنتاج وزيادة أرباح الراسمال، والموارد المستغلة تشمل الموارد الطبيعية حتى استغلال المياه الجوفية والموارد داخل باطن الأرض من معادن وغيرها حتى الموارد البشرية كلها تسمى استثمارات أجنبية مباشرة.
فالنظام الاقتصاد العولمي لم يعد كما روج لها ثم تغير طرا عليها تحولات دفعت الاقتصادات الكبرى نحو استراتيجيات الانغلاق حصل ذلك في أمريكيا في سياق حربها مع الصين واستخدامها العقوبات الاقتصادية كأداة عن بعد لتاديب كل من لا ينصاع لرغبات الأمريكية وهي أداة تتيح ضرب الخصم وتفسح المجال للانكفاءة نحو الداخل، في الوقت نفسه والي جانب استمرار استعمال هذه الأداة ضد روسيا في دفاع السياق المستميت عن مصالح الغرب في أوكرانيا استمرت ظاهرة الانغلاق وإعادة مصانع الشركات الكبرى إلى الدول الأم.
أمضت هذه المصانع عقودا في دول شرق آسيا واستفادت من العمالة الرخيصة الثمن لتحقيق أرباح مجزية للرساميل الغربية.
لكن تقدم الصين أعاد تشكيل خطر انتقال التكنولوجيا الغربية إليها مسرعا خطوات توطين المصانع. لم يكن ظهور ما يسمى الشركات المتعددة الجنسيات التي ربطت الأسواق بعضها ببعض الا جزءا مما يسمى (العولمة) ضمن هذا المفهوم استغلت هذه الشركات الموارد الرخيصة والشعوب الفقيرة في دولها للحصول على إنتاج بكلفة أقل جاء ذلك بعد سقوط (بيرتون وودز ١٩٧١) ليظهر النظام المالي العالمي الجديد ليساهم في سيطرة الدولار عالميا بشكل أكبر وربط جميع الأسواق به بشكل يعكس حكم الواقع من تلك التطور التكنولوجي الذي شهده العالم من ذلك الحين، من أهم العوامل التي سهلت نشوء العولمة الاقتصادية إذ أن انتشار سياسة الاستثمار في الخارج أتى عندما قررت الدول الرأسمالية الكبرى اي دول أوروبا وأمريكا نقل مصانعها من الدول الأساسية إلى دول الشرق الآسيوية اولا لأن الإنتاج في هذه الدول الفقيرة هو أقل كلفة بسبب انخفاض ثمن اليد العاملة ولاستغلال المواد الأولية هناك وثانيا ماعمل كدافع اضافي لنقل عملية الإنتاج، لكن في مقابلة الربح الاقتصادي الذي جنته الشركات والدول المتقدمة من عملية النقل هذه كان هناك ثمن استراتيجي عليها أن تدفعه فمن خلال نقل الإنتاج إلى دول شرق آسيا اكتسبت هذه الدول مع الوقت المعرفة اللازمة للإنتاج وأصبحت قادرة على إنتاج التكنولوجيا والسلع بشكل مستقل، بالطبع لم يصل إلى مستوى إنتاج الدول المتقدمة لكن ساهم في صعود قوي اقتصادية مواجهة للدول المتقدمة أولها أمريكيا إلى الخطر الاستراتيجي الذي نشأ من طمعها الاقتصادي حيث سمحت لدول ليست تحت سيطرتها بالصعود والتطور، لذلك مع بداية العقذ الماضي (2010)اتخذت سياسة إعادة المصانع وبدأت موجة الإعادة في ظاهرة تسمى إعادة توطين المصانع وهذه العملية تسارعت في السنوات الأخيرة يظهر هذا الأمر من خلال مؤشرات مثل عدد الوظائف التي تخلقها إعادة التوطين.
في السنوات الأخيرة كان هذا المؤشر في ازدياد حيث شهد العالم الغربي ارتفاعا كبيرا في الوظائف التي تخلقها عملية اعادة التوطين. والجدير بالذكر هو أنه في عام (2021) تخطي عدد الوظائف التي خلقتها عملية إعادة التوطين عدد الوظائف التي خلقتها الاستثمارات الأجنبية المباشرة ولهذا الأمر دلالة مهمة على اتجاه دول العالم نحو الانغلاق على نفسها في مسار قد يبدو انحداريا بالنسبة لظاهرة العولمة الاقتصادية.
بعد هذه القراءة فالنضع هذه المقاربة على حال السودان السياسي والاقتصادي في ظل العولمة الاقتصادية النيوليبرالية خلال الثلاثة عقود من نظام الإنقاذ الذي ابتلأء به السودان نظام شمولي فاسد تماهي مع هذه السياسات الناهبة التي لم يجني منها السودان سوى الدمار في بنيته الاقتصادية من خصخصة وبيع مؤسساته الناجحة وتجفيف مصانعه ومشافيه العامة وخصخصة وتسليع الصحة والتعليم واصبح السودان معبرا لغسيل الأموال والمخدرات وسرقة الموارد الطبيعية للسودان وتدمير البنية البيئية وسرقة الآثار باسم التعدين والاستثمار الأجنبي في الخدمات والمطاعم التي تستورد موادها من الخارج ولم يستثمر في القطاع الزراعي في الوقت الذي يذهب فيه المزارعون إلى السجون ومنح الأجنبي أراضي لزراعة البرسيم وتصديرها لتسمين مواشي الخارج وتجفيف مياهنا الجوفية دون إضافة قيمة حقيقية بإقامة إنتاج حيواني بجوارها لاسيما بلادنا تتمتع بثروة حيوانية ضخمة تعاني من الجوع وأراضي تحت لافتة تشجيع الاستثمار للأجانب لإقامة مصانع وهمية دون إدخال رساميل للبلاد كانت نتيجتها رهن هذه الأراضي لأخذ القروض من المصارف السودانية للاستثمار وفي النهاية تم بيعها ولم تتم اي استثمار وتم تهريب رساميل سودانية بالإضافة الي اتباع سياسة الاقتصاد الريعي وخلق اقتصاد مواز اي الغير رسمي حيث بلغ ما يشكله الاقتصاد الموازي نسبة(85٪) مقابل الاقتصاد الكلي للسودان وشهد السودان ما أطلق عليه استثمارات خارجية في خدمات الاتصالات على أنقاض دار الهاتف السوداني شركات اتصالات التي شكلت سوق نهب لموارد البلاد لإخراج عائدات مواردها للخارج من المكالمات والرسائل عن طريق سلع الصادر مثل اللحوم والدهب والصادرات الزراعية لم تعد عائدها للسودان في ظاهرة شرعنت التهريب، للأسف مازالت هذه السياسات الاقتصادية مستمرة بعد ثورة ديسمبر المجيدة بسبب التمكين السياسي والاقتصادي التي زادتها سوءا انقلاب 25 أكتوبر 2021 التي تمت بيد الدولة العميقة ومجلس أمن النظام المخلوع ومواليهم من شبكات المصالح ليعيش الشعب السوداني الواقع المأزوم الراهن في ظل السياسات المتوحشة المبنية على نهب موارد البلاد وافقار الشعب وتجويعهم وخلق تضخم وركود اقتصادي لم يسجل مثلها تاريخ البلدان ليعزي الشعب عملته في الموت السريري. هذا كان نصيب السودان من العولمة الاقتصادية.
ما وضح جليا أن العولمة انتهى إلى غير رجعة ثمة مجال مفتوح لإعادة صياغة الشراكات الاقتصادية بين الدول خارج الإطار السابق، الحدود المفتوحة لتدفقات الرساميل والسلع والأفراد لم تبقى كما كانت وعلى أساس استراتيجيات الدول سيتحدد ما هو مفتوح وما هو مقيد في التداولات الخارجية فقد بات واضحا للعيان أن العولمة بنسختها النيوليبرالية سقطت وصار الأمر محل إجماع حتى في التحليلات الغربية وأصبحت تنظر في إعادة صياغة الشراكات الاقتصادية انطلاقا من الحرب ضد روسيا.
بعد عام (2008) شكل تراجع الاستثمار الخارجي وحركة الرساميل فالقيود والحواجز بوجه تدفقات الرساميل والسلع والأفراد إلى فرض حواجز إضافية أمام الاستثمارات الأجنبية في القطاعات التي تعدها استراتيجية وعلى حسب تقرير منظمة التجارة العالمية فالقيود ازدادت مثل الجمارك من نسبة 10٪ في عام 2008 إلى نسبة 30٪ عام 2020 فالعولمة تتفكك وسيظهر على انقاضها شبكات إنتاج وطنية وإقليمية.
بفعل الحرب الروسية الأوكرانية انكشفت سلاسل الإنتاج العالمية فقد توقفت المصانع والمرافئ عن العمل ما أحدث هزة تضخمية عالمية فيما تقف دول العالم على مشارف ركود تضخمي هائل، فالنيوليبرالية انتهت وأول مؤشرات هذا الأمر بدأ مع الحرب التجارية التي أطلقها الرئيس الأمريكي السابق رولاند ترامب مع الصين فأصبحت التبادلات التجارية خاضعة للرسوم الجمركية وبالتالي فإن فترة الرسوم الصفرية التي روج لها باعتبارها العامل الأساسي في الانفتاح التجاري والتبادلات التجارية الدولية لم تعد مرغوبة بالمطلق في ظل المسار الجديد للعولمة فالازمات الكبرى أظهرت بأن العولمة بشكلها السائد لا تسمح بحماية فعالة وحاسمة ضد التضخم بل يكفي أن تتعطل هذه الشبكات نتيجة ارتفاع حاد في الطلب أو نتيجة جائحة مثل كوفيد 19 أو حرب حتى ترتفع ولا سيما الحروب المرشحة كثيرة في ظل العولمة الاقتصادية.
هذا يوضح حجم الأزمة التي تعيشها الشعوب في ظل النيوليبرالية الاقتصادية التي لم تصنع سوى دمار الدول الفقيرة وشعوبها في الوقت الذي يمنع الدول الأوروبية قدوم مهاجري الدول الفقيرة إليها بعدما سرقت ونهبت مواردها وافقرت شعوبها واشتعلت الحروب الأهلية وسيدت عملائها بل تعمل على إرجاع. اللاجئين إلى دولها أو اعادة توطينها في دول أفريقية للتخلص منهم ويصنع عملاء لها في بلادنا لمنع المهاجرين الوصول إلى الدول الأوروبية وقمعهم بامداد السلاح لعملائها للقضاء عليهم
كانت تلك نصيب السودان في ظل اقتصاد العولمة وحصاد نصيبه في الفضاء العالمي النيوليبرالي لم يبقى لنا الا البحث عن مستقبل البلاد وحياة كريمة للشعب السوداني وهذا بالطبع لايمكن في ظل هذا الوضع الاقتصادي والسياسي الانقلابي لا يمكن أن يتحقق إلا في ظل تحول ديمقراطي كامل وهذا لا يتم إلا بإسقاط الانقلاب..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *