
للنضال أوجه متعددة ولا توجد صيغة نضالية واحدة ، وكلٌ يؤدي دوره الوطني من موقعه وإن اختلفت الآليات والأدوات.
والشوارع وحدها ليست معيار الوطنية ، والهتاف والشعار لايبني وحده الأوطان.
فالتغيير حلقات متعددة تتداخل مع بعضها البعض
وتتراكم حتى تصل إلى الهدف المنشود.
الحوار حلقة من حلقات التغيير الهادف
التي تراكمت حتى توجت بثورة ديسمبر ٢٠١٩،
عبر مشروع (الحوار الوطني) الجامع الذي شهد عليه العالم أجمع ، وبمشاركة واسعة لقطاعات كبيرة من المجتمع السوداني والذي أفضى إلى مخرجات طابقت إلى حد كبير مطالب القوى المعارضة على مدى ٣٠ عاماً مضت بل تقدم عليها عبر ٦ محاور أساسية نحددها فيما يلي :
١ . الحوار عالج قضية الحريات الأساسية من ممارسة الحريات حتى صلاحيات جهاز الأمن.
٢ . عالج قضية العلاقات الخارجية و حدد أنها تقوم على مصلحة البلاد العليا مع احترام سيادة الدولة بعيداً عن سياسة المحاور.
٣ . الحوار فصل قضية الحرب والسلام بدون محاصصة بل عالج جذور الحرب والسلام في السودان وعالج انعكاسات الحرب وتبعاتها.
٣ . الحوار حسم قضية الهوية المسكوت عنها
حيث وقع المشاركون
ميثاق الهوية السودانوية.
٤ . في قضية الحكم أقر مؤتمر الحوار استحداث منصب رئيس الوزراء.
٥ . أقر فصل النيابة العامة عن وزارة العدل كجهة تنفيذية في إطار قاعدة فصل السلطات.
٦ . في القضية الاقتصادية
٧٠% من جسات الحوار كانت تعنى بالاقتصاد ، وأقرت معالجات ومصفوفات لحل الأزمة بشكل جذري.
إن مخرجات الحوار الوطني
هي ملخص لنضال الشعب السوداني خلال ٣٠ سنة ،
وقدمت حلولاً جادة وعملية للأزمة السودانية عبر آلية حوار سياسي مجتمعي.
وبالرغم من تباين الإرادة السياسية للمنظومة الحاكمة إلاّ ان حوار الوثبه كان بمثابة نافذة اختبرت من خلالها آليات جديده للتغيير ، و وفق تقديرات سياسية بنيت على حيثيات راهنة في ذلك الوقت لا نستطيع أن نتغافل عنها (تهيئة الرأي العام ، تجارب الربيع العربي ، الحريات والقبضة الأمنية ،تماسك ووحدة القوة المعارضة).
الحوار الوطني كاآليه تغيير من الداخل نقلت العمل المعارض إلى مربع المعارضة الدستورية ، كنوع من الحراك السياسي المؤثر و كآلية جديده لم تختبرها القوى السياسية على مر الحقب المتلاحقة منذ الاستقلال وحتى ذلك الحين
وان كانت كاآليه تبدو في ظاهرها الحلقة الأضعف
إلاّ أنها الحلقه الأهم والأقوى تأثيراً في إحداث التغيير من داخل موقع اتخاذ القرار ،
حيث أصبح الحزب الحاكم شريك مع آخرين وإن اختلفت النسب وتباينت مستوى فعالية القوى المشاركة وحجم تأثيرها على المشهد السياسي.
شاركت قوى سياسية ذات خلفيات مختلفه و بنسب مقدرة في جهاز الدوله على مستوى المركز والولايات ،
وهذا ما لم يحدث على مدى ٣٠ عاماً من عمر حقبة الانقاذ.
هذا الفعل ساهم بالتأكيد في مشروع تفكيك دولة الحزب الواحد لصالح الوطن ،
و إتاحة الفرصة للآخرين للمشاركة في تسيير دولاب الدولة .
وبغض النظر عن النوايا الوطنية الحقيقية لتلك القوى السياسية المشاركة وقوة إرادتها الوطنية في إحداث التغيير الاّ أن السياسة لها بالظاهر والعبرة بالنهايات ، فالسياسة لاتفتش في الضمائر ولاتبحث في النوايا.
قدمت إسهامات بشكل إيجابي عبر مؤسسات الحكم المختلفة وبأدوات مختلفة عبر سن التشريعات والقوانين تارة ، وعبر الضغط على دوائر صنع القرار تارةً أخرى ، من خلال المشاركة على مستوى السلطه التشريعيه والجهاز التنفيذي،
وطرحتُ ملفات تمس قضايا المواطن بشكل مباشر وهذه هي الغاية الأسمى والأهم للعمل السياسي وهو تحقيق أثر ملموس في حياة الناس ينتفع به المواطن بشكل مباشر وبالرغم من أن ذلك لم يغطي كافة شرائح المجتمع، ولم يتم وفق منظومة حكم شامل بشكل ممنهج ولم يصل إلى غاياته المنشودة ، بتحقيق تنمية مستدامة متكامله تقضي على الفساد بشكل كامل وتحقق السلام العادل ،
إلاّ أن ذلك الاجتهاد كان في سبيل الإسهام لتحقيق الأهداف المرجوة وإن لم تكتمل.
و قد يوافقني الكثيرون الرأي ويتفهمون رؤيتنا حول قيمة الحوار ، وأهمية تحقيق الوفاق الوطني وحاجتنا للاستقرار السياسي حيث كانت لدينا نظرة ثاقبة جعلتنا ننحاز إلى مبادرة الحوار الوطني ، فلقد أدركنا ومنذ فترة طويلة أن الثورات وحدها لا تبني الأوطان وأن الهتافات والشعارات لا تحقق الأحلام.
أدركنا هذا الكم من التمزق الذي ضرب نسيجنا الاجتماعي و ذاك المد العنصري والجهوي والقبلي ، هذا الصراع الخفي بين مكونات المجتمع الواحد والتحديات الصعبه في مواجهة صراع الأطماع والمصالح الدولية لدولة ذات موقع جيوسياسي استراتيجي مهم وتمتلك كم هائل من الثروات الطبيعيه .
إن الحرص على الحفاظ على وحدة الوطن وحمايته من التمزق والانهيار ، حتّم علينا أن نتسامى على مشاريعنا السياسية وخلفياتنا الأيديولوجية ومواقفنا السياسية وقناعاتنا
لصالح المصلحة الوطنية الأعلى.
إننا نقدر ما قام به الشعب السوداني من تضحيات ممهورة بدماء الشهداء ، ولقد حرصنا لآخر لحظة وبكل ما أوتينا من مسؤوليه على حقن الدماء للوصول إلى انتقال سلس نحو الحرية والديمقراطية يجنبنا سيل الدماء والأرواح المزهوقة.
وسنستمر نساهم بما يمليه علينا واجبنا وضميرنا الوطني ومسؤليتنا الاخلاقية ، وحقنا كابناء خلص لهذا الوطن لتحقيق التحول الديمقراطي ، والوصول إلى ما نسعى إليه منذ عقود نحو تحقيق دولة المواطنة في وطن موحد حر مزدهر.
إن محاولات التشكيك في الغايات والتقليل من قيمة دور الأحزاب السياسية واسهامها على مدى ٣٠ عاماً في الحراك السياسي والنضال السلمي عبر أدوات مختلفة وآليات جديدة ، وابتسار الحراك النضالي من أجل إحداث التغيير على حراك ثورة ديسمبر فقط ، يُعد إجحافاً لنضالات طويلة وتضحيات متتالية قدمتها الأحزاب وقياداتها مهراً من أجل هذا الوطن العظيم.
*كتبتُ هذا النص بعد عام من الثورة السودانية في ١١ أبريل ٢٠١٩*
والآن .. أكتب لكم بعد مرور ٣ سنوات
على ثورة ديسمبر
حيث اتضح لنا جلياً ، ولكل ذي بصيرة سياسية ، أنه لا حل إلاّ عبر حوار وطني جامع.
وما نشهده الآن من أحداث دموية واسترخاص للدم السوداني ، وما تشهده البلاد من انهيار اقتصادي وقيمي واخلاقي ، مع انعدام الأمن والأمان ، واختراق غير مسبوق للسيادة الوطنية ، وانعدام الثقة بين مكونات المجتمع الواحد والاستقطاب الحاد وخطاب الكراهية والعنف ، في ظل صراع المطامع الخارجية على ثرواتنا الوطنية، وما يحدق بالبلد من خطر تفكك وانهيار وحروب أهلية وحركات انفصالية يفرض علينا إعلاء كلمة الوطن ، عبر التلاحم ووحدة الصف حول مشروع وطني سوداني ، يعبر بنا إلى بر الأمان نحو انتخابات حرة ونزيهة.
نضالنا اليوم يجب أن يكون عبر تقديس فريضة الحوار الوطني الذي غاب على مدي السنوات الثلاث الماضية ، فكانت النتيجة إقصاء عنيف ، و مواجهات دامية ونزاعات أليمة ، أرهقت كاهل المواطن فتأزمت حياته وضاق معاشه ، وفقد أمنه ، وسادت الفوضي التي لا نعرف لها نهاية.
لا بديل للحوار إلا الحوار ،
حوار شامل يضم كل أطياف المشهد للتوافق حول قضايا الانتقال والتحول الديمقراطي الذي يرد السلطة كاملة للشعب صاحب السلطة الأول.









