المقالات

عبدالمعين في غياهب البئر !! ..إبراهيم أحمد الحسن

رأى عصفوراً صغيرا يطير علي فوهة البئر ثم يختفي في غيهبها هناك حيث اتخذ اعشاشاً بناها داخل تجاويف البئر وتعاريج نتؤات حجارته الصغيرة ، رأى عبدالمعين العصفور يفعل ذلك ، إلتمعت عيناه ، لم يفكر بل قدر ثم قفز وراء العصفور ، قفز الي داخل البئر الفوهاء كما فعل العصفور وحلق هنيهة في ظلام طَيْسَل مُدْلَهِمّ قبل ان يُسمع صوت ارتطام جسده بالماء مستقرا في حَضِيض القاع . وقف الاطفال اصدقاء عبد المعين عند فوهة البئر مشرئبين باعناقهم التي طوقت الفوهة من جنباتها كافة فشكلت لوحة تشبه شُعُع من قرص شمس طَفَلَت . لبث هذا المنظر من لوحة اعناق الصغار علي فوهة البئر هنيهة قبل ان يتلاشى شعاع وراء شعاع وعبدالمعبن ينظر من اسفل البئر تلتمع عيناه وتبرز اسنانه بإبتسامه وقد اِستَوَت عِندَهُ في قاع البئر الأَنوارُ وَالظُلَمُ .
هرع الاطفال جرياً الي المزرعة المجاورة ليحدثوا جده بان عبدالمعين قد هَوَى داخل البئر ولم يستطيع الخروج ، الجد الذي عانى الامرين من شقاوة عبدالمعين وتفلته استل سوطاً مصنوع من جلد البقر يقال له ( العنجاوي ) كان يودعه سقف عريشته في المزرعة لزوم مشاغبات عبدالمعين التي لا تنقضي ولا تتوقف .
الاطفال الذين نقلوا الخبر للجد يعلمون تماماً وقع ( العنجاوي ) علي الظهر وليس منهم من نجى منه حين مشاركتهم شقاوة عبدالمعين ومغامراته .
حزم الجد وسطه باطراف جلبابه وربط السوط في ثنايا الجلباب الملتف حول الوسط ثم تدلى يتسلق البئر نزولاً ، اشرأبت أعناق الاطفال تسد فوهة البئر وتشكل شُعُع من اعناق مركزها بؤرة في دائرة فوهة البئر ، الجد الذي تدلى الي جَوْف البئر نادى الصغار من بَاطِنها ان ينفضوا من الفوهة حتى يدخل الضؤ مبددا ظلام البئر و يؤنس وحشة عبدالمعين داخل الجب ، وصل الجد قاع البئر سريعاً ومد يده ينتشل عبدالمعين من فيض المياه الجارف والمتدفق بغزارة من عين البئر الزلال ، تشبث عبدالمعين بيد جده الذي حمله علي ظهره متسلقاً حجارة البئر الي اعلى ، الاطفال الذين كانوا يراقبون عملية انقاذ صديقهم الشقي بخوف ووجل ، في رهبة ورغبة يتمنون فيها رؤية عبدالمعين وهو يُعاقب بسوط ( العنج ) الذي اخفاه الجد بين ثنايا ثوبه . لم يتوقف عبدالمعين عن التلويح لاصدقائه من على ظهر جده وهو يقترب رويداً رويدا من فوهة البئر ، وفي لحظة وصوله الي بداية اليابسة ودائرة الضؤ خارج البئر لمح عبدالمعين طرف السوط الشهير يتدلى مادا لسانه خارج ثنايا الثوب فقفز بكل ما يملك من قوة الي خارج البئر دافعا جده الي الاسفل برجله ، فتهاوى الجد عائداً الي قاع البئر بسرعة الصاروخ . ولى عبدالمعين هارباً مطلقاً ساقيه للريح وتتناثر ذرات الماء حوله لتجعل منه سحابة من رذاذ تجري الوَجي الوَحِلُ علي الرمال محازاة مزرعة جده .
عاد الجد يتسلق حجارة البئر صاعداً الي اعلى وهو يسب ويلعن ويتوعد عبدالمعين ب (سوط عذاب ) لا قبل له به . اقترب الجد من فوهة البئر وفر الاطفال هاربين متقين غضب الجد من عبد المعين والذي ربما أفرغه في اقرب من تصل اليه يده من الاطفال العابثين زمرة عبدالمعين ورهطه و( زملان شقاءه ) .
جلس الجد علي سرير من خشب تدلت حباله لتلامس الارض في عريشته الظليلة ونادى الاطفال ان أحضروا عبدالمعين حياً او ميتاً ، ثم جلس يجفف ثيابه .
إنطلق الاطفال جرياً يبحثون عن عبدالمعين الذي اضحى اثراً بعد عين وجلس الجد يحكى لجيرانه في المزارع المجاورة شقاوة حفيده عبدالمعين الذي دفعه ليسقط داخل البئر بعد عملية انقاذ بذل فيها الجد مجهوداً كبيراً لانقاذ الحفيد الشقي .
بعد قليل ظهر من بعيد موكب قوامه الصغار اصدقاء عبدالمعين وهم يدفعونه امامهم حيناً ويجرونه أحياناً أُخر الي مجلس الجد في عريشته المجيدة . قفز فضل البارى صديق الجد وجاره ونديده واقفاً ليستقبل الصغار وهو يحلف علي الجد بطلاقٍ مغلظ اللا يمس عبدالمعين بسياط من ما توعده بها . أمسك فضل الباري بيد عبدالمعين واجلسه غير بعيد من جده وطلب منه ان يحكي قصة سقوطه في البئر ، جلس عبدالمعين القرفصاء يلتقط انفاسه ليقول : شاهدت العصافير الصغيرة تطير الي داخل البئر وقلت في قرارة نفسى كيف تفعل العصافير الصغيرة هذا ، وانا الذي أكبر منها حجماً وقوة اجبن ان افعل مثلها ، فقمت بالقفز طائراً داخل البئر . ضحك الرجال حول مجلس الجد ورفع الجد يده بالسوط الي اعلى ولكنه تذكر قسم صديقه فضل البارى المغلظ فانزل سوطه جانباً وارتفع صوته مجلجلاً متوعداً عبدالمعين بعقابٍ قريب . وعندما سألوه طيب لماذ دفعت جدك ليسقط داخل لبئر ، رد وماذا تتوقعونني افعل وانا ارى سوط عذابه يتدلى منذراً بثبور عظيم . انفض مجلس الجد وجرى الاطفال يتسابقون الي ميدان لعبهم واصبحت قصة عبدالمعين واحدة من حكاوي القرية الاثيرة يحكونها اعجاباً بشقاوة عبدالمعين وجرأته في اقتحام الصعاب .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *