المقالات

المشروع الوطني السوداني (2) بقلم: د. بهاء الدين مكاوي محمد قيلي

نشرتُ بالأمس مقالاً بعنوان” المشروع الوطني السوداني: حاضر يصرف في ضمير الغائب” تداول المقال الكثيرون على منصات التواصل الاجتماعي، وتناولوه بالنقاش الموضوعي والتشريح الدقيق، وقد وصلني الكثير من التعليقات والمقترحات من القُرّاء والمتابعين حول الأفكار الواردة فيه، وتساءل بعضهم عن جوانبَ تعرضنا لها باختصار وهم يعتقدون أنها جوانب مهمة تستدعي التفصيل، وبعضهم اقترح توضيح بعض الأفكار التي وردت عرضاَ في ثنايا المقال لكونها بحاجة إلى توضيح ، وقد استدعت هذه التعليقات والاقتراحات كتابة هذا المقال للتفصيل في بعض ما أُجْمِلَ والتوسع في شرح بعض الأفكار التي بدت غامضة لبعض القراء الأعزاء.
وكان من بين التعليقات ما ذهب صاحبه، وهو صديق عزيز، إلى أن فكرة غموض المشروع الوطني في بداياته، ثم وضوح معالمه والاتفاق حول تفاصيله بمرور الوقت ومن خلال الحوار هي فكرة تقتضي – حسب رأيه – إلى شواهد وأمثلة من التاريخ السوداني وهذا ما سوف يدور حوله هذا المقال.
كُنّا قد ذكرنا أن المشروع الوطني السوداني خلال مرحلة الاستعمار كان واضحاً جلياً ومجمعاً عليه ويرتكز على فكرة محورية هي إجلاء الاستعمار وقيام الحكم الوطني( دون تفاصيل حول شكل وغايات وأيديولوجية هذا الحكم الوطني)، فكانت فكرة التحرر الوطني مظلة عريضة احتشدت تحتها كل القوى الوطنية، ولكن بعد نيل البلاد استقلالها تغير المشهد، فمن ناحية زال العامل الذي كان يوحد الوطنيين وهو الاستعمار، ثم أن ذهابه أوجد فرصاً سياسية ومكاسب اقتصادية جديدة أفضت إلى التنافس بين حلفاء الأمس، كما اختلف الوطنيون حول عدد من القضايا المتعلقة بنظام الحكم في العهد الوطني نذكر منها ثلاث قضايا دارت حولها الصراعات بين القوى الوطنية وهي : المركزية أم اللامركزية، النظام الإسلامي أم العلمانية، الاشتراكية أم الرأسمالية وانعكست الخلافات حول هذه النقاط على المشروع الوطني السوداني فجعلته غامضاً وغير متفق عليه وهذا هو الذي ميز السياسة السودانية حتى نهايات الثمانينات من القرن الماضي.
فبعد الاستقلال مباشرة تم تشكيل لجنة برئاسة المرحوم زيادة أرباب لوضع دستور السودان وقد تم تشكيل هذه اللجنة في فبراير من العام 1956م أي بعد شهر واحد من الاستقلال وقد ضمت في عضويتها جهابذة القانون السودانيين آنذاك. ظهرت بوادر الخلاف بين الوطنيين داخل لجنة الدستور حين اقترح المرحوم ميرغني النصري تبويب الدستور على أساس أن جمهورية السودان ( جمهورية ديمقراطية برلمانية إسلامية) فتصدى لهذا المقترح المرحوم محمد صالح الشنقيطي الذي رفض هذا المقترح بحجة أن ذلك سيحول غير المسلمين في السودان إلى مواطنين من الدرجة الثانية وذكر أسباباً أخرى في معرض رده على المقترح، وقد انتهى النقاش الذي استغرق شهوراً وكانت جبهة الدستور الإسلامي تدعمه من الخارج الى علمانية الدستور، ورغم جهود دعاة الدستور الإسلامي الذي باتوا على مقربة منه قبل مجيء النميري للحكم والذي قضى على هذه المحاولة، لكن نميري نفسه كان هو أول من اعلن النظام الإسلامي في السودان في العام 1983، وأكد عليه الإسلاميون عند مجيئهم للسلطة في العام 1989م ، ولا يزال الصراع العلماني الإسلامي مستمراً حتى كتابة هذه السطور.

ثاني الصراعات التي قادت إلى زعزعة المشروع الوطني هو الصراع حول المركزية واللامركزية. كانت الفيدرالية شوقاً جنوبياً منذ المراحل الأولى للاستقلال ، الا أن القوى الشمالية جرّمت هذه الدعوة ولاحقت الداعين لها في جنوب البلاد واستمر هذا الحال حتى سقوط نظام الفريق إبراهيم عبود في العام 1964م ، الا أن مؤتمر المائدة المستديرة ومؤتمر الأحزاب في منتصف الستينات من القرن الماضي أقر مبدأ الحكم الذاتي للجنوب وهو ما اعترف به بيان الثاني من يونيو 1969م في بدايات حكومة النميري ثم طبق النظام المايوي نظام الحكم الذاتي الإقليمي للجنوب عقب اتفاقية أديس أبابا 1972م، ثم اعلن النظام عن قانون الحكم الاقليمي للشمال في العام 1982 وكان هذه القانون أحد أسباب اندلاع التمرد مرة أخرى في الجنوب في مايو 1983م. لكن الحكم اللامركزي( الفيدرالي) أقر على مستوى القطر كله في العام 1991م في عهد الرئيس السابق عمر البشير، ولا يزال هذا النظام سارياً وقد اكدت عليه اتفاقية جوبا لسلام السودان الموقعة في أكتوبر 2020م.
ثالث الصراعات التي ساهمت في غموض المشروع الوطني السوداني كان حول نمط التنمية الأنسب للبلاد، وقد ثار الصراع بين دعاة الاشتراكية ودعاة النظام الرأسمالي وقد كان نقاشاً فوقياً زُجَّ به في الصراع السياسي ولم تتأثر به كثيراً الشرائح الاجتماعية التقليدية في الأرياف، ولم يعد مثل هذا الصراع حاضراً الآن بكثافة كما كان سائداً في كل أنحاء العالم أيام الحرب الباردة من خمسينات إلى ثمانينات القرن الماضي، وقد سئل أحد الاقتصاديين الصينين وهو Deng Xiaoping عن النمط الاقتصادي الذي يراه مناسباً للتنمية: الاشتراكية أم الرأسمالية فأجاب بقوله: “لا يهم إن كانت القطة بيضاء أو سوداء ما دامت أنها قادرة على اصطياد الفئران” “It doesn’t matter whether a cat is white or black, as long as it catches mice”
أريد أن أخلص مما سبق إلى أن أثنين على الأقل من ثلاث قضايا ساهمت سابقاً في تعتيم رؤية المشروع الوطني السوداني قد حُلّتْ : الأولى وهي قضية المركزية واللامركزية قد حلت بالحوار ، والثانية ، وهي قضية الاشتراكية والرأسمالية وقد أفضت التطورات الدولية إلى حلها، كما أن القضية المحورية الثالثة وهي مسألة الإسلام والعلمانية قد حدث بها تحول في الرؤية الفكرية ، ففي الغرب نفسه ظهر من يدعو صراحة إلى الاهتمام بالجانب الديني كما في دعوة هابرماس للعلمانيين الغربيين للانفتاح على الدين “لأن الثقافة الغربية تستند في أصولها إلى اليهودية والمسيحية”، كذلك فقد سلك بعض القادة السياسيين الغربيين مسلكاً يعكس اهتمامهم بالدين مثل رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير والرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش وغيرهم ، كما أن الحركات الإسلامية نفسها لم تعد آيديولوجية مثالية كما كان في السابق وغشت بعضها نزعة براغماتية ليست، بالضرورة، بالمعنى المذموم، ولكن، في حالات كثيرة، بما تعني السعي المستمر للتوفيق بين (الأصل والعصر) ومراعاة الواقع الذي تعمل فيه واختيار الأدوات المناسبة للتعاطي مع هذا الواقع .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *