المقالات

اتحاد المهن الحوارية!! بقلم : بروف هشام عباس زكريا

*تظل ازمة الحوار واحدة من المشكلات التي رسختها بعض اساليب التربية السودانية في عزل الصغار عن الكبار واعتقاد الآباء أن تنشئة الصغار على أساليب(السكوت) عندما يتحدث الكبار تزيد من تعميق الاحترام والتوقير، لكن الواقع أن هذا (السكوت) ينشأ مع الطفل حتى المدرسة والمراحل الجامعية وما بعد ذلك.
* إننا من خلال وجودنا مع الشباب داخل الجامعات السودانية نشعر تماماً بهذه الأزمة، فلم يعد الحوار جزءاً من الثقافة العامة الامر الذى أفقد حلقات التواصل بين الاجيال وهذه بدوره يقود الى بروز جيل جديد بقيم جديدة لم تتأثر بالتأريخ الثقافي والاجتماعي
*لقد أصبح الحوار والنقاش والندوات والمحاضرات العامة قوالب فكرية (بمنطق الكثير من جيل اليوم) تصلح للمعاشيين واصحاب الفراغ والمترفين والذين انتهت مشاكلهم فأخذوا يبحثون على ميادين للتسلية والامتاع
*إن أزمة الحوار انتقلت حتى للذين يمتهنون اجراء الحوار فالكاتب الروائي الدكتور أمير تاج السر يذكر في مقال له إن احدي الاذاعات اتصلت عليه لإجراء حوار على لسان مذيعة وذكرت في المقدمة إن هذا الروائي كتب حوالي(200) رواية وعن ذلك يقول تاج السر بالطبع لا يمكن لأحد أن يكتب هذا العدد من الروايات حتى لو عاش أضعاف عمره وهذه المذيعة بالقطع لا تعرف عن تجربتي شيئاً ولا أتوقع أنها سمعت بإسمي قبل أن تجرى ذلك الحوار ويقول أمير ايضاً إن أحد زملائه الروائيين أخبره أنه تلقى سؤالاً من صحفي يسأله عن أعمال كاتب آخر وطقوس كتابتها وكيف استوحاها باعتبارها اعماله هو.
*ومن الطرائف أنى تابعت حواراً لمذيعة في فضائية شهيرة مع أستاذنا العالم البروفسير المرحوم/ عبد القادر محمود وكان عنوان الحلقة سيرة العلامة البروفسير/ عبدالله الطيب وقد كانت الأسئلة غاية في السطحية ويقيني أن المذيعة لم تكن تعرف عن عبدالله الطيب سوى أنه فقط أديب سوداني الأمر الذى جعل البروف عبد القادر يستأذن من المذيعة ان تسأله عن كذا..وكذا..فتحول فجاءة الى مذيع وضيف في آن واحد لقناعته بأن هذه المذيعة تعرف القليل عن الموضوع المطروح وبالتالي لن تستطع وضع الأسئلة التي من شأنها جعل المعلومات تتدفق بغزارة.
* إن من أبجديات إجراء الحوار معرفة نوع الشخصية محط الحوار هل هي من الشخصيات المتهربة أم المترددة أم المتجاوبة فقد برز في ميدان السياسة والثقافة والرياضة في السودان شخصيات تهرب من الإعلام وتعتقد أن الظهور وإجراء الحوارات معهم فيه وقف لمسيرتهم وتشويش لعملهم ولذلك نجد أن الكثير من الشخصيات التي تقوم بعمل كبير لا يعرفها الملتقى السوداني وبالتالي فإن الصحفي الناجح هو الذى يستطيع تقديم مثل هذه الشخصيات إلى الجمهور رغم أنه سيجد صعوبة في الوصول الى مثل هذه الشخصيات
*أما الشخصيات (المترددة) فهي التي تحتاج من الصحفي الى ضمانات أن المعلومات التي سيطرحها لن تؤدي إلى مشكلات وهؤلاء لا يتعاملون إلا مع محاورين يثقون فيهم على خلفية علاقة سابقة تجمعهما ومثل هؤلاء غالباً ما يرددون صدى ما يسمعون ولا يستطيعون في أغلب الأحيان انتاج معلومات جديدة للجماهير.
*والفئة الرابعة هي(المتجاوبة) وما أكثرهم في حقول السياسة والثقافة والرياضة في السودان فهؤلاء تجدهم في كل مناسبة يتحدثون عن الأحداث التي يعرفونها والتي لا يعرفون عنها شيئاً ومثل هؤلاء دائماً ما يكونون في متناول الصحافة وأسهل الأشياء هي الوصول اليهم ويمكن أن يعطل المتجاوب كل أعماله في سبيل الادلاء بتصريح أو معلومات أو حوار.
*إن الحوار الناجح هو الذي يتجاوز هذه الفئة لأنها في أغلب الأحيان غير مؤثرة ولا تبرز جديداً للمتلقي.
* إنها دعوة للقارئ الكريم لتصنيف الساسة والمشاهير والنجوم السودانيين الذين يكونوا مقصد الحوار ووضعهم تحت عناوين الفئات الثلاث الماضية فستكون النتيجة أن الذين تبحث عنهم الصحافة لم تجدهم بعد …. وأن الحوارات الصحفية نسخ (كربونى) نطلع عليه كل يوم .. ذات الكلام.. وذات التعليق.. وذات الأسلوب ..حتى أن القارئ السوداني يمكن أن نقول له (الحوار معَ مَنْ) (يقل لك ماذا قال الضيف !!!) دون ان يطلع على مضامين الحوار.
*ومن خلال مشاهداتي لبعض القنوات الفضائية السودانية فإن أزمة الحوار تمثلت في ثلاثة ظواهر رئيسية:
* الظاهرة الأولى أن المحاور في بعض الاحيان يكون لديه المعرفة العميقة بالموضوع ويعمل على اظهار ذلك ليؤكد فكرة أنه أكثر علماً من الضيف بهذا الموضوع وينسى فلسفة الحوار ويتمادى في التعليقات المطولة ويوجه الاسئلة ويجيب على جزء منها غافلاً أنه استضاف المتحدث وأن الجمهور يرجو أن يستمع الى الضيف في المقام الأول.
*أما الظاهرة الثانية فهي أن المحاور لا يعرف شيئاً عن الموضوع فيصبح دوره قزمياً في المحاورة ويكون الضيف هو القائد لمسيرة الحوار ويبدو المحاور بمظهر لا يحسد عليه ولكي تشاهدوا ذلك واقعاً تابعوا البرامج التي تحلل اتجاهات الصحافة السودانية في الفضائيات
*إن الظاهرة الثالثة تتجسد في المعرفة المشوهة والعمياء بالموضوع بمعنى أن المحاور لا يجد نفسه في المعرفة المسبقة بالموضوع وإنما يحاول أن يعرف عنه بعض المعلومات من الضيف قبل أن يجرى الحوار وكم من مرة شاهدت المذيع يطلب من الضيف أن يحدد له النقاط التي يستطيع أن يتحدث فيها .
*إن هذا النقد للحوار الإعلامي في السودان لا يجرد وسائل الاتصال الجماهيري من محاورين أكفاء استطاعوا أن يحيلوا هذا النوع من القوالب الاعلامية إلى رحلة من الامتاع للمتلقي فقدموا شخصيات جديرة بالحوار ونقلوا معلومات مهمة للمتلقي.
* وفى ختام هذا المقال اقترح قيام (اتحاد المهن الحوارية) وبالطبع فان أول عمل له سيكون توقيع شراكة مع الفئة (المتجاوبة) وسيكون البرنامج المشترك الأول تنظيم (دورة في فن التفاوض) وذلك لإقناع الفئة (المتهربة) للدخول الى ميادين الحوار ولكن يقيني أن هذا الاتحاد لن ينجح مالم يفرض ضريبة بدل (تصريح) على الذين امتهنوا الحديث للصحافة واعطاء علاوة (حوار) لأولئك المتهربين من الإعلاميين حتى يحدث التوازن في العملية الحوارية
*وحتى الملتقى إن اذن المولى.. التحية لكل المحاورين والمحاورات
ودمتم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *