و”أبوك تعبان.. يفتل في الحبال ما خلّى شيتاً اسمو عشميق/ يرسل ليك عشان تقرأ العلم تلحقنا في الضيق”.. هكذا خاطبت الأم الرؤوم ولدها وأولاد الحلة أجمعين في زمن “فات وزمن جاي وزمن لسه”، وهم يحزمون حقائبهم في سفر طويل إلى بلاد تصحى وتنوم على مخدات الطرب، كما تغنّى الراحل حمد الريح في الساقية، من نسج عمر الطيب الدوش وألحان سودانوية بجينات يمنيّة للموسيقار السودايماني، ناجى القدسي.
هل قلت يحزمون حقائبهم؟ وهل كانت حقائب سفر ذيّاك الزمان من الفرقان والحلال والمدن الصغيرة، تُحزم؟
لا ورب الكعبة!
كان يُحكم رتاجها بالطبلة الإنجليزية والمفتاح الذي يُستعصى فض خاتمها على أمهر الحدادين وعلى.. “ماهر الحديد والله ما بتنفك”!
هاجر فلذة كبد الشاعرة النعمة وقد أودعته “الّلا نام ولا أكل الطعام”، وأودعت رحاله حفنة من تراب البلد لتبقى معه في حلّه والترحال، وحين استبطأت الشاعرة تواصل فلذة كبدها في زمان كان التواصل الاجتماعى يمثل تيرموتراً دقيقاً يقيس المعزّة والمحبة والحنين والشوق، عاتبته على الانقطاع وذكّرته بتعب والده وكدّه ليوفّر ما يسد الرمق، ويرسل ما فاض تعباً وشقاءً وعملاً شريفاً من صنع يده: “يفتل في الحبال ما خلّى شيتاً اسمو عشميق”.
“أبوك تعبان.. عشان تدرس وتتعلّم، وتلحق أهلك في الضيق”. ولا نريد أن نتوغل في لومٍ قاسٍ أودعته الأم في عقل وقلب ابنها بأقسى عبارات التقريع، لأن ما يهمّنا هنا هو (الحبال) التي تُصنع من العشميق. يفتلها (ضراع) أب مجتهد ومكدود.
العشميق، ألياف يتم استخلاصها من لحاء أشجار النخيل ليُصنع منها الحبال التي تشكل المادة الخام لنسج العناقريب، قبل أن تتغوّل أعصاب الألياف البلاستيكية بزركش ألوانها، على الطبيعي من مواد النسج التي تتفاوت وتتنوّع (أورقانك)، إلّا أن أشهرها الحبال التي تُصنع من العشميق والسعف والجلد والذي يسمى “القِد”.
والعنقريب – السرير السوداني الأشهر- لا يكاد يخلو منه بيت. وهو مفردة نوبية أصلها (أنقري)، وهو متجذر في حياتنا ويستحق أن تُفرد له البحوث، وأن يحتل مكانته المستحقة في تراثنا ومتاحفنا وبيوتنا، وهو ما وجدته فعلاً في أكثر من رسالة ماجستير باللغتين العربية والانجليزية.
يتكوّن العنقريب من أربع أرجل وأضلاع خشبية تُصنع كلها من سيقان وفروع الأشجار، وينسج حبالها العامل الماهر الفنان، على الأضلاع الأربعة التي يتم تركيبها على الأرجل بصورة مُحكمة. وإذا ضاقت فتحات الأرجل يتم توسيعها، إما إذا وَسَعت، يتم تضييقها بتثبيت بعض الأخشاب الصغيرة على جانبي الفتحات.
يُسمّى الضلع الكبير بالـ “المرق”، والصغير بالـ “جقد”، ويتم نسج الحبال – طبيعية أو بلاستيكية – في إبداعٍ متناهٍ على مساح تغطي 80% من مساحة العنقريب، ثم تُنسج المساحة المتبقية بطريقة بسيطة، لتصل المساحة المُنسوجة مع الضلع الأصغر من العنقريب، ويُسمّى (الجِقد). أما النسج نفسه، يُسمى (الكرّاب)، ويستخدم في الغالب لشد نسج العنقريب (الأصل)، متى ما ارتخت حباله بكثرة الاستخدام.
ومن المسميات العجيبة في دنيا نسج العناقريب، مُفردة الحُمار، وهو في الأصل حبلٌ غليظٌ مُجدول، يصل بين جسم النسج والكرّاب. ويبدو أنّنا من شدّة اعجابنا بهذا الكائن المتميز (الحمار)، أقحمناه في كل تفاصيل حياتنا. وقد يتذكّر البعض ذلك الحمار الذي كان يدخله السودانيون – في زمان مضى – إلى غُرف نومهم، ولا يزعجهم البتّة بنهيق أو زفير، إذ أنّه لا يعدو أن يكون حماراً من خشب أو حديد تُوضع عليه الملابس وبهيئاتها كافة، مكويّة ومطويّة، ترقد جميعها بإطمئنان على ظهر الحمار، أو تحت سيقانه، مُكرفسة بأي هيئة كانت ، كيفما اتفق.
وقبل أن نغادر محطة حمار العنقريب، لا بدّ أن نذكر بالخير، ولع السودانيين بالحمار والحمير، حتى أن أغاني الأربعينيات التي أحياها بعض الذين يغنّون بمحسنات صوتية عالية هذه الأيام – علّها تعالج شروخ تلكم الأصوات . كانت تلك الأغنيات لا تخلو من حمار، مُفردة ولفظاً، إذ أن أغنية (الطيّارة) التي لم تجد في كل دنيا السودانيين العريضة “زهور تضحك معاها”، غير أن تضرب حمار كلتوم!
ومنها: الطيارة التي.. “جات بي فوق/ شايلة القنابل كوم/ داير تضرب الخرطوم/ ضربت حمار كلتوم”. ولعلّهم أرادوا السخرية من الطيار الفاشل الذي كان يقود طائرة حربية بدائية، فأخطأ التصويب على الهدف، وأصاب في مقتل حمار كلتوم (ست اللبن).
بالعودة إلى العنقريب، سنجد أنّ أهم أجزاءه على الإطلاق، وبحر علومه، ما يُسمى بـ (البحر)، وهو المساحة التي يُنسج فيها ويسبح جريد النخل أو الدوم أو الحبل المفتول من السّعف أو جلد البقر (القِد)، أو سيور البلاستيك الحديثة الملوّنة.
تتعدد الأسماء، وبحر العنقريب واحد وواسع، كما في الصورة المرفقة، والنفوس لو تطايبت.. (العنقريب بيشيل ميّة).
ولعّل من أشهر عناقريب البيوت السودانية تأريخياً، عنقريب العِدّة، وهو صغير الحجم، وغالباً ما يكون نسيجه مهتوكاً متآكلاً وتوضع عليه أواني الطعام لتجف بعد غسلها. وللعِدّة في السودان حكاويها مع فضّياتها وحافلاتها وعناقرببها وديوكها.
هذا بالطبع قبل أن يصل التطوّر التقني إلى (غسّالة الصحون) التي يتم تركيبها في مطبخ غالٍ وفخيم، تقوم نيابة عن (ست البيت) بغسيل العِدّة تلقائياً وتعقيمها وتجفيفها، ثمّ رصّها جاهزة للاستعمال دون حاجة إلى استخدام صابون حارق لليدين، ودون أن تحتاج العِدّة نفسها إلى أن تستلقي في رحلتها اليومية تحت أشعة الشمس في ساونا على الهواء مباشرة لتجف في انتظار أن يصعد عليها ديك من ديوك البيت، يحبس الأنفاس ويصبح أمر تركه على العِدّة يصول فيها ويجُول، مشكلة تحرق الأعصاب وتوتر النفوس (الطيبة ما كانت شريرة).
وحتماً سيكلف أمر هشّه ومحاولة ازاحته من قمة عنقريب العِدّة، صحنين وبضع كبابي، وربما خسائر فادحة تذهب بشقاء ست البيت في ثروتها من (العِدّة) التي بنتها بمد السنين، كباية كباية، وحبّة حبّة .
أما لو دار محور سؤالك عن عنقريب الدكان، فهو يُوضع أمام المتاجر الصغيرة ليجلس عليه صاحب الدكان عند انقطاع أرجل الزبائن، أو لاستخدام زوّاره وأصدقائه وأنداده.
ولأن من العناقريب ما قتل، يأتي أشهرها على الإطلاق، عنقريب الجنازة، وهو الآلة الحدباء التي أشار إليها الشاعر كعب بن زهير، بقوله: (كل ابن أنثى وإن طالت سلامته/ يوماً على آلة جدباء محمول).
ومن العناقريب ذات الصيت، هنالك عنقريب (الحُق)، وهو الأجمل والأغلى ويكون مطلياً بألوان فرايحية، يغلب عليها اللّون الأحمر. ويستخدم في الأفراح لمراسم الحناء والجرتق، ويُسمى أيضاً بعنقريب الجرتق.
يظل العنقريب، قديمنا الذي ما تاه أبداً. نرتكز عليه في كل جديد، ويظل بحماره وبحره وكرّابه وكل أجزائه (لنا حسنٌ إذ نباهي بها ونفتتن).
يمضى الزمن وتتطور الحياة، ويظل العنقريب، الثابت الوحيد الذي لا يطاله التغيير، إلّا بمقدار ما يجعله صالحاً لذات مهامه الأزلية في البيت السوداني، يحمل إنسانه إلى بيت العديل والزين، أو ميتاً إلى مثواه الأخير.
هو عنقريبنا.. نظل أبداً نتملّى جماله لنرى: هل لترفيه عيشه ثمنُ









