المقالات

دولة القانون.. د. عبدالعظيم حسن المحامي يكتب : مؤهلات القاضي

 

أعظم وأجل وأسمى وظيفة يعهد بها أي مجتمع لأحد أفراده أن يأتمنه على أسراره ويكلفه الفصل في خصوماته. التوافق ووضع الثقة بمن يمارس هذا الواجب المقدس لا يكون بالصدفة وإنما بمهر الدم والمال الغاليين. ثورات الوعي العظيمة لا تحركها المظاهر كالجوع أو الفقر أو المرض وإنما ظلم القاضي الذي هو أساس الحكم. عندما يتفشي الفساد، فالمجتمع لا يتوانى في الهتاف أو الزراية بمولانا وحده وإنما حتى بمنظومته العدلية.
القضاء صناعة مقوماتها العلم، التأهيل والتدريب المستمر، الصبر علاوة على وجوب احترام النفس قبل أصحاب الحقوق وممثليهم من المحامين. هيبة القاضي بما يُصدر من أحكام رصينة تتفهم الخصومة وتقضي فيها بالقسطاس المستقيم. قضاة كثيرون يخفون جهلهم بإظهار الحزم بينما المضمون لا يخلو من استغلال المنصب. معظم الدراسات والبحوث تذهب إلى أن وقوع القاضي في الظلم لسببين، الأول والأكثر شيوعاً يعود لقلة التدريب والجهل بالقانون الواجب التطبيق على المسالة محل النزاع. أما السبب الثاني فينشأ عن الفساد المتعمد نتيجة الحاجة أو الخوف على الكرسي رغما عن ظهور الحق وحصحصته بالوجدان. الفساد كظاهرة يرتبط وجوداً وعدماً بالمدرسة التي يتربى بكنفها القاضي والتي عادة ما تكون غير مستقلة.
الأسماء التي دفعت بها اللجنة القانونية للحرية والتغيير ستفشل في وضع لبنات تؤسس لسلطة قضائية مستقلة. فالمرشحون غير مشهود لهم لا بمواجهات عدلية أو أحكام تكشف عن عمق فهمهم للقانون أو تجارب فنية باعثة على الطمأنينة لدى القانونيين على أقل تقدير. كذا ليست هناك تجارب إدارية أو قيادية تؤهل المرشحين لمنصب رئيس القضاء سيما وأن كثيرين ممن عملوا بالقرب من المرشحين أو أمامهم يصفونهم بالبطء وعدم القدرة في بذل حد ادنى من الكتابة في مسائل تستحق الجهد والحس العدلي بالذات في ظروف استثنائية لا تحتمل التجريب.
لا تكفي همهمة القانونيين وتحركاتهم المعزولة الرافضة للمرشحين. لا يجوز الصمت أو السماح بأن يتولى رئاسة القضاء من يقبل الخضوع لمعاينات السياسيين غير المؤهلين أو المتخصصين. غير مقبول تسمية أو ترشيح مقربين ممن تم اختيارهم من اعضاء لجان تفكيك السلطة القضائية وذلك لكون أي قاضي يقبل أن يخضع لسلطة تنفيذية صرحت بأنها سياسية لا يجوز أن يتولى القضاء ناهيك عن أن يراسه.
كان وما زال الملف العدلي أضعف حلقات الثورة. إعادة بناء المنظومة العدلية يظل الأولوية والتحدي الأكبر لديسمبر المجيدة. المحامون والقانونيون ملزمون بأن يوحدوا صفوفهم ويواجهوا هذه الأوضاع الشاذة طارحين للمبادرات والوسائل السليمة لتطبيق العدالة. مهما كان هذا الطريق شاقاً يظل الأقصر والوحيد الذي يبلّغنا دولة القانون.
د. عبد العظيم حسن
المحامي الخرطوم
9 يوليو 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *